عاجل

البث المباشر

بأي ذنب قُتلوا؟!

لا أحد منا يتخيل القادم! فخيال المبدعين الخصب الذي أثرى هذا العالم قد ينضب ويتوقف من فرط الدهشة، في حين نقول إن العالم الآن يتحرك بفعل الدفع الذاتي كما يصفه علماء الفيزيا، لكن في أحيانٍ أخرى والأكثر قوة نقول إن العالم قد جن. نعم العالم جن! لأن الجنون بمصطلحه العلمي هو خلل في العقل، وعقل العالم - فيما نعتقده - قد أصابه ذلك الخلل، وحينها نتذكر قول هود عليه السلام كما ورد في القرآن الكريم: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ) سورة هود(78).

وفي هذه الحال نتساءل: أليس في هذا العالم من رجل رشيد؟ سؤال ملح ومبهم لا يجد إجابة في ظل هذا الخضم الكبير من الفوضى الفكرية، وفي الوقت ذاته ذلك الهدب المسدل، وتلك الآذان الموصدة، في وقت تضج به دعوات السلام وحقوق الإنسان المزعومة!

حقيقة الأمر نجد أنفسنا في متاهة قولية وفعلية لا تتناسب مع القوانين العالمية التي كنا نعتقد أنها تهذب هذا العالم وتحفظ له حدوده ومحدداته.

لم نجد أي فعل عالمي يقفل صنبور الدماء في كل مكان أو حتى يحفظ ماء وجهه في برزة واضحة تقول هنا العالم، هنا القوانين، هنا دساتير الأمم، هنا حقوق وممتلكات، هنا مواطنة ومواطنون؛ بينما تلك البرزة المنتظرة لا تظهر إلا حينما يكون استعمالها في مقولة حق يراد به باطل كما يقال. فنجد الدنيا تقوم ولا تقعد على مقتل الصحافي خاشقجي أو روجيني أو قاطن سجن بأمر قانوني وقضائي من دون أي تحقق أو تثبت أو قرائن أو أدلة، وإنما هو ثلغ من ملء الفراغ الإعلامي بما قد يسلب الحكومات نفسها إدارة شؤونها والحفاظ على أمنها الإقليمي والمحلي والدولي إن وجب ذلك، نوع من التداخلات المتقاطعة في رسم صورة عبثية سوف تسجلها خارطة العالم على وجه التاريخ بحسب مدرسة بيكاسو ولوحته الشهيرة (الجيرنيكا) والتي جسدت بشاعة الحربين العالميتين الأولى والثانية وأصبحت أثراً في متحف اللوفر تزورها الناس كلما اشتاقت لتذكر بشاعة آلة الحرب وصورة العالم في ذلك الوقت.

ألا يسمع العالم صهيل المدافع والصواريخ ودوي القنابل والمتفجرات في اليمن وسورية والعراق وليبيا والسودان وبورما وكل أنحاء مواطن الإنسانية؟ كنا ننتظر ونقول ماذا بعد، حتى جاءت انفجارات بيروت تلك البلدة المستكينة الآمنة في حضن الجبل بأهلها المضيافين، الودودين المتأملين للجمال والوداعة، لبنان بجماله المغرد في ربوع الحنايا، فكل عربي منا له شربه ماء ارتشفها مع قريب أو صديق من أهلها الكرام، فنفيق على محاولة لإبادة شعب بأكملة بانفجار "هيروشيمي" لا يبقي ولا يذر، وهو وادع يحلم بالاستقرار والتقدم ولا شيء غير ذلك. وعلى الجانب الآخر نجد ذلك الشاب الصغير بصدره العاري يقاوم فيضانات اليمن وتكسر سدودها، إذ لا إدارة ولا سلطة ولا هيكلة سوى القتل والنهب من جماعة الحوثيين، فضاع الشعب بين أقدامهم، وهناك في الناحية الأخرى نجد السودان تتجرع هول الفيضان والسدود التي كسرت فتتلف الضرع والزرع نتاج عبث بيئي تقوم به إثيوبيا فيما يسمى بسد النهضة، وحينما ننظر إلى الشرق نجد أن العراقيين يبكون زرعهم ونبتهم وتراثهم وحياتهم حينما حبست تركيا المياه عنهم بإقامة سدودها فينحسر نهر الفرات التليد حتى ظهر كجدول صغير بين المروج العطشى كعطش أهلها وجوعهم وتأوهاتهم وأنينهم كبشر ليس لهم ذنب مثلهم مثل أهل لبنان وسورية وأهل اليمن وأهل ليبيا وغيرهم من الشعوب الذين ليس لهم في تلك الصراعات السياسية لا ناقة ولا جمل، وقد يمر الأمر إذا ما كان في العصور الغابرة، إنما في عصر عالمي يؤسس على أن الفرد هو محور العالم وأن الإنسانية هي مادة دساتيره وقوانينه فهذا أمر يصدق على مقولة شعبية معهودة تقول (الضحك على الذقون) وهي بالفعل قوانين تسلب الحقوق والواجبات لأن ليس لها مكان في دائرة التنفيذ!

كنا نحيا في أمان لثقتنا في العهود العالمية التي ما إن تُخل بها دولة حتى تقوم لها كل الدول وتهب لنصرتها، أما الآن فلا نجد سوى عين واحدة لا ترى إلا ما هو يتماشى مع رغباتها وأطماعها، فهل يحكم العالم بالأهواء؟ نعم يبدو لنا ذلك، لأن الدساتير العالمية الجديدة جعلت الإنسان في أولى مراتبها كما تدعي، ولكننا نجدها تضعه تحت أقدامها في يوم نسمع فيه عن آلاف القتلى بلا ذنب اقترفوه، وتحت ظل الأطماع في الثروات وفي السلطات في منظر مسرحي الـ(الماسترسين) المشهد الأساس فيه هو القتل للجميع من أجل تحقيق نظرية "المليار الذهبي" والتي ترى أن موارد الأرض لا تستطيع أن تلبي حاجات سوى مليار نسمة من البشر ليعيشوا بمستوى دخلٍ مناظر لما هو عليه الحال في الدول الغنية. وبالتالي فإن نمط الاستهلاك المفرط والرفاهية العالية التي يتمتع بها سكان الدول الغنية لا يمكن توفيرها لباقي سكان العالم بسبب محدودية الموارد على كوكب الأرض، ولذلك فإن قادة العالم وسدنة دساتيره يغمضون الأعين ويصمون الآذان عن كل ذلك الذبح المباح وبذنب "المليار الذهبي" في دول العالم الثالث وشعوبه الفقيرة المترنمة بأغنية السلام!.

* نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات