عاجل

البث المباشر

حكاية الحارس الغبي

نعرف جيداً حكاية سور الصين العظيم الذي اجتهد الصينيون القدامى في بنائه ليكون سوراً دفاعياً عسكرياً، ويمنع قبائل المغول والتتر من اختراقه.

إذ على مدى مئات السنين أبدع الصينيون في بناء سورهم، شارك في بنائه مئات الآلاف من الفلاحين والسجناء والعمال الفقراء، مات منهم آلاف في رحلتهم المعمارية تلك، وقد روت الحكايات أن جحافل العدو لم تكن بحاجة للمخاطرة بتسلقه حين أدركت مدى مناعته، بل لجأت لشراء الحراس، لتسهيل عملية الدخول. أمّا ملخص ما رُوِيَ فهو أن بناء الحارس كان أهم من بناء سور بتلك العظمة، وبكل تلك التضحيات...!

حضرتني هذه الحكاية بعد أن انقشعت غيمة الصدمة عني، بعد النكبة التي حلّت علينا من حيث لم نتوقع. أذكِّر فقط أن بيتي بعيد عن بيروت بحوالي خمسة عشر كيلومتر، ومع هذا اهتز كله بسبب الانفجار. لأول وهلة ظننت أن إسرائيل ألقت بصواريخها بالقرب منا، بعد لحظات هدوء، عرفت أنه انفجار، بعد لحظات أخرى أطول من أي لحظات انتظار عشتها في حياتي، بدأت فيديوهات الانفجار تبث على الشاشات اللبنانية، فعرفت أن الكارثة حدثت في المرفأ.

وهذا المرفأ له حكايات وحكايات، حين شُنّت حرب خفية بين حيتانه، حتى استولت عليه قوة سياسية مسلحة معروفة، تماماً كما أغلب المرافق التي تعتبر معابر حساسة من وإلى لبنان، فتحوّل إلى ما يشبه مغارة علي بابا والأربعون حرامي..

يجب أن تكون قرصاناً لتعرف كيف تثبت وجودك في المرفأ، لتخوض حروبه، وتخرج بغنائمك منتصراً. غير ذلك يستحيل أن تصمد. أنت مجرّد قشّة تلهو بها الريح إن لم تكن مدعوماً بسلطة المال والسلاح.

تسمع عن قصص المرفأ كما لو أنها قصص مؤلفة لإرعاب الأطفال المشاغبين. وكما تُبتَكرُ المبررات الغبية، ستسمع أن من يسيطر على المرفأ والمطار والمعابر الحدودية هم "حراس" البلد...!

وسواء اقتنعت أو لم تقتنع بهذه النوعية من "الحراس" فإن ما حدث في بيروت مساء الرابع من آب من سنة المصائب هذه، سيذكرك بالحارس الغبي الذي كان يقف أمام بوابة سور الصين العظيم، والذي فتحها لألد الأعداء مقابل ثمن بخس لا يقارن بحجم وطن.

بإمكانك أن تؤلف عشرات القصص عن هذا الحارس، أو "النّاطور" بلغة الشعب المنكوب المطعون في ظهره. حارس يدخّن سيجارته في هدوء فيما يتوسّد بندقيته ويستلقي على جبل من القنابل، أو حارس يمسك بيده قطعة خبز وباليد الأخرى قنبلة، فيقضم القنبلة، ويرمي العدو بقطعة الخبز.. بإمكانك أن تتخيل نفس الحارس بنسبة غباء أشد، من نوعية حراس الأزمنة الغابرة، وقد خرجت إليه وحوش الليل، وبدلاً من أن يشعل ناراً لإخافتها، يضرم النار ويلقيها على أخيه النائم، أما غباؤه فلا يتوقف هنا، فطالما أخوه يحترق، سيعتقد أنه في مأمن من الوحوش.

* نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات