الفتوى والمجتمعات

فهد الماجد

نشر في: آخر تحديث:

من الحكمة والمصلحة أن تكون الفتوى قارة في المجتمع، ولا تنتقل إلى مجتمع آخر يختلف معها في العوائد والأعراف، وأن يسأل الناس علماء بلادهم في المسائل الشرعية التي يحتاجون إليها، ولا يتجاوزوهم بالاستفتاء إلى علماء بلاد أخرى، وذلك يتفق مع مقاصد الشريعة التي جاءت بوحدة الكلمة التي تنبني على وحدة الحال..

وقفت على جواب ظريف -له مؤدى وغاية- في كتاب الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني "وهو من كتب المالكية" يدل على أثر تغير الأمكنة والأزمنة في الفتوى، وذلك أن ابن أبي زيد القيرواني لما سقط حائط داره اتخذ كلبًا للحراسة، فقيل له: كيف تتخذه ومالك نهى عن اتخاذ الكلاب في غير المواضع الثلاثة "والمواضع الثلاثة هي أن يكون للزرع أو للماشية أو للصيد" فقال: "لو أدرك مالك زماننا لاتخذ أسدًا ضاريًا".

ورسالة ابن أبي زيد القيرواني في الفقه المالكي طبعت عددًا من المرات وعليها شروح كثيرة، وترجمت في باريس سنة 1914م إلى الفرنسية، وإلى الإنجليزية في لندن سنة 1906م وابن أبي زيد هذا عالم المغرب في زمانه بل كان يلقب بمالك الصغير لغزارة علمه.

وجوابه هذا وإن لم يكن تحريرًا علميًا بل كان -فيما يبدو- مفاجئًا للسائل، فهو يدل على أثر اختلاف البيئات في الفتاوى الحاجية والمصلحية. وقد أعطى ابن أبي زيد بجوابه هذا النتيجة لاختلاف الحال ما بين المدينة المنورة التي كان يعيش فيها مالك والقيروان التي كان يقطنها هو من ناحية الأمن على بيته.

ومما يُعَدُّ سابقًا لهذا الجواب من حيث إن اختلاف الأحوال له أثر في الفتوى المصلحية ما أمر به عثمان رضي الله عنه في خلافته، فلقد كانت ضوال الإبل وهي التي ضاعت من صاحبها تترك ولا يلتقطها أحد حتى يجدها صاحبها لورع الناس وتقواهم فلا تمتد أيديهم إليها، فلما كانت خلافة عثمان بدأت الأيدي تمتد إلى هذه الإبل وتأخذها، فحفاظًا عليها من الأيدي الحرام أمر عثمان بأن تلتقط وتباع على خلاف ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا جاء صاحبها أُعطي ثمنها. وهذا وإن خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظاهر، فإنه موافق لمقصوده في صيانة الأموال الذي كان مرادًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الشريعة -كما يقول ابن القيم- "مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد". ومن ثَمَّ جاءت القاعدة الشرعية التي تقول: "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان"، وبتعبير أوسع: تتغير الفتوى وتختلف بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد. والسؤال الأهم في مسألة تغير الفتوى هو: ما المسائل التي تتقبل هذا التغير؟ والجواب عن هذا أنها تلك المسائل والأحكام الاجتهادية التي قررها المجتهدون والمفتون بناء على قياس أو مصلحة، أما الأحكام القطعية الثابتة بالنصوص الشرعية سواء كانت في صورة مأمورات أو منهيات فالأمر فيها لا يختلف باختلاف الزمان والمكان والعادة، وذلك كمسؤولية كل مكلف عن عمله وتقصيره، وحماية الحقوق المكتسبة وكوجوب التراضي في العقود إلى غير ذلك مما ذكره شراح هذه القاعدة.

إن من قدرة الفقه الإسلامي وعبقريته إعمال هذه القاعدة الشرعية تحقيقًا لمصالح الناس العامة والخاصة، ولذلك فإن الفقهاء المتأخرين من شتى المذاهب الفقهية في كثير من المسائل يفتون بعكس ما أفتى به أئمة مذاهبهم وفقهاؤهم المتقدمون، والسبب كما يصرح به هؤلاء المتأخرون، هو اختلاف العوائد والأعراف التي كانت مناطًا لتلك المسائل، فليسوا في الحقيقة مخالفين لهم بل هم موافقون في أصل المسألة.

وهذا الاختلاف الذي نشير إليه ينبغي أن يكون مراعى في الفتوى ما بين مجتمع وآخر؛ لا سيما في فتاوى الأسرة والأحوال الشخصية التي مناط كثير منها العوائد والأعراف والأحوال، ومن الحكمة والمصلحة أن تكون الفتوى قارة في المجتمع، ولا تنتقل إلى مجتمع آخر يختلف معها في العوائد والأعراف، ومن الحكمة -أيضًا- والمصلحة أن يسأل الناس علماء بلادهم في المسائل الشرعية التي يحتاجون إليها، ولا يتجاوزوهم بالاستفتاء إلى علماء بلاد أخرى، وذلك يتفق مع مقاصد الشريعة التي جاءت بوحدة الكلمة التي تنبني على وحدة الحال، كما يتفق مع مقصد الشريعة في رفع الحرج الذي يقع عند مخالفة الفرد جمهور الناس.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.