عاجل

البث المباشر

د.إبراهيم النحاس

<p>كاتب ومحلل سياسي</p>

كاتب ومحلل سياسي

التطبيع والشعوب العربية.. مع أم ضد؟

وهل يمكن طرح مثل هذا التساؤل؟! وإن كان ذلك ممكناً، فهل يملك أحد الإجابة على ذلك التساؤل المركب والمعقد؟ أو هل يمكن الحصول على إجابة علمية يمكن البناء عليها؟ أسئلة أو تساؤلات تُطرح في كل مناسبة يُكشف فيها عن لقاء طرف أو مسؤول عربي بآخر إسرائيلي، ويُصاحب هذه الأسئلة والتساؤلات هجوماً شديداً متبوعاً بالتخوين للقضية الفلسطينية وبالعمالة للغرب وإسرائيل عندما يُعلن عن تطبيع للعلاقات بين دولة عربية مع إسرائيل. ومن الضروري أن نشير إلى نقطة غاية في الأهمية وهي أن تلك الأسئلة والتساؤلات وذلك الهجوم الشديد المتبوع بالتخوين والعمالة تختلف في قوتها ودرجتها صعوداً وهبوطاً بحسب الطرف والمسؤول والدولة العربية، إذ تختلف باختلاف المرجعية الحزبية والأيديولوجية والفكرية وبعلاقاتها بالأطراف الإقليمية والدولية. ففي بعض الحالات نجد من يقول بأن لقاء ذلك الطرف أو المسؤول أو الدولة العربية بطرف أو مسؤول إسرائيلي إنما جاء لخدمة القضية الفلسطينية، وسيساهم في رفع الظلم عن الفلسطينيين، وسيعيد الحقوق العربية المسلوبة التي تطالب بها الشعوب العربية؛ ويحدث هذا إن كان الطرف العربي يقدم خدمات خاصة ويخدم مصالح وبرامج حزبية وأيديولوجية وفكرية متطرفة وإقصائية. وفي حالات أخرى نجد من يقول بأن لقاء ذلك الطرف أو المسؤول أو الدولة العربية بطرف أو مسؤول إسرائيلي إنما جاء على حساب القضية الفلسطينية، وسوف يزيد من حالة الظلم الواقعة على الفلسطينيين، وسيساهم في ضياع الحقوق العربية المسلوبة، وسيعطي إسرائيل شرعية أمام المجتمع الدولي، ويدعي بأن هذا العمل ترفضه تماماً الشعوب العربية؛ ويحدث هذا إن كان الطرف العربي يختلف فكرياً وسياسياً مع الحزبيين ويرفض المصالح الخاصة والبرامج الحزبية والأيديولوجية والفكرية المتطرفة والإقصائية.

نستذكر مُجدداً هذه الثنائية في الطرح بما شاهدناه ورأيناه وسمعناه مُنذ وبعد أعلان البيان المشترك الأميركي - الإماراتي - الإسرائيلي، الصادر في 13 أغسطس 2020م والمتضمن إعلان اتفاق سلام بين الإمارات وإسرائيل برعاية أميركية، التي عبرت عن حالة استلاب للعقل العربي واستنقاص لحالة الوعي لدى الأجيال العربية الشابة قام بها بكل جرأة غير أخلاقية جُهلاء وسفهاء نصَّبوا أنفسهم وكلاء عن الشعوب العربية وتحدثوا زوراً وبهتاناً عن رغباتها ورؤاها وطموحاتها. لقد حدثت حالة الاستلاب والاستنقاص هذه من قبل ثلاث فئات متطرفة فكرياً أو مجموعات حزبية أو توجهات أيديولوجيات ادعت كل منها زوراً وبهتاناً أنها تتحدث عن الشعوب العربية وتعبر عن رغباتها ورؤاها وطموحاتها. فئات ثلاث متناقضة ومتصارعة فيما بينها، جميعها افترت على الشعوب العربية كل بحسب مصلحتها الحزبية والأيديولوجية والفكرية. أُولى هذه الفئات تتشكل من ذوي التوجهات الحزبية الضيقة وتتصدرها "جماعة الإخوان" المُتطرفة ومن يؤيد أفكارها وطروحاتها؛ وتدعي هذه الفئة ادعاءً مُطلقاً بأن الشعوب العربية ترفض رفضاً قاطعاً التطبيع أو التواصل أو إقامة العلاقات مع إسرائيل مهما كانت الظروف، على أقل تقدير في الوقت الراهن؛ بينما في المقابل تُبرر هذه الفئة لعناصرها الحزبية وللنظم السياسية المُتفقة والمتماشية مع توجهاتها التطبيع والتواصل وإقامة العلاقات الكاملة مع إسرائيل، وذلك في تناقض صارخ مع ادعاءاتها. وثاني هذه الفئات تتشكل من ذوي التوجهات الفكرية السطحية ويتصدرها "الليبراليون" أو أصحاب التوجهات "الليبرالية"، الذين لا يعلمون حقيقة معنى ليبرالية؛ وتدعي هذه الفئة ادعاءً مُطلقاً بأن الشعوب العربية أصابها الملل من طول أمد القضية الفلسطينية التي بسببها توقفت خطط التنمية والتطوير والبناء في الدول العربية، وبالتالي ذهبوا للادعاء بأن الشعوب العربية تؤيد تطبيع وإقامة العلاقات الكاملة غير المشروطة مع إسرائيل مبررين ذلك بالأخذ بسياسة الأمر الواقع التي لا يمكن تبديلها أو تغييرها. وثالث هذه الفئات تتشكل من ذوي الارتباطات الإقليمية، مع الأطراف والدول المعادية للأمن القومي العربي، الذين يرفعون شعار "المقاومة" ويتصدرها "الحزب الإيراني في لبنان" بقيادة المدعو حسن؛ وهذه الفئة تدعي ادعاءً مطلقاً بأن الشعوب العربية والإسلامية ترفض رفضاً قاطعاً التطبيع أو التواصل أو التحدث مع أي طرف أو مسؤول إسرائيلي مهما كان الثمن وتحت أي ظروف لأنه يجب أن تدمر إسرائيل تماماً وترمى بالبحر؛ بينما يقيم هؤلاء أصحاب شعار "المقاومة" العلاقات السرية العميقة مع إسرائيل التي يحصلون منها على الأسلحة والمساعدات العسكرية كما بينت ذلك "قضية إيران - كونترا" المعروفة بـ"فضيحة إيران جيت" عام 1985م، وكذلك يصمتون عن التواصل والمفاوضات السرية مع إسرائيل للحصول على مكاسب سياسية ومالية ومادية ومساعدات عسكرية كما حدث ويحدث مع جميع الأطراف التي ترفع شعار "المقاومة".

لقد اُبتليت الشعوب العربية بهذه الفئات الحزبية الثلاث: "جماعة الإخوان"، وأصحاب التوجهات "الليبرالية"، وأصحاب شعار "المقاومة"، التي ادعى كل منها كذباً وزوراً وبهتاناً بأنها تُعبر عن رؤية الشعوب العربية حول التطبيع، أو حول القضية الفلسطينية، واستطاعت تسويق انحرافاتها الفكرية من خلال النفوذ الكبير والمتشعب لكل فئة من هذه الفئات المُضللة في الفضاء الإعلامي العربي الواسع. والحقيقة أن مجموع الشعوب العربية، المُغيب صوتها إعلامياً، أكثر وعياً وإدراكاً من هذه الفئات الثلاث للواقع العربي وأكثر معرفةً بالإمكانات والقدرات المُتاحة والكامنة. فالشعوب العربية تُدرك بأن إمكاناتها وقدراتها، في الوقت الراهن، أضعف بكثير من أن تُحرر الأرض في ظل الخلل الكبير في موازين القوى الدولية، وفي المقابل هذه الشعوب العربية لم ولن تتنازل عن قضيتها الرئيسة وأرضها المُحتلة في فلسطين وفي غيرها من أماكن، وكذلك هذه الشعوب لن تقبل بأن يُتاجر بقضاياها أعداؤها أياً كانوا عرباً أم عجماً. هذه الشعوب العربية الواعية أصبحت تدرك بأن الصُراخ الإعلامي، والخطابات العاطفية، والشعارات الدينية والشعبوية، وبيانات التنديد والتخوين والعمالة، وتوجيه السِباب وتبادل الاتهامات، لن تُحرر فلسطين أو ترفع الظلم عن الفلسطينيين، وإنما تنمية وتطوير وبناء الأوطان العربية على الأسس الصحيحة، واستثمار واستخدام قدراتها وإمكاناتها بالأساليب العلمية المتقدمة، وتعليم وتأهيل أبنائها بالطرق العلمية الحديثة، وتعزيز الثقة ونزع أسباب الفرقة والاختلاف بين الأطراف العربية، سيمكن العرب في المستقبل من تحرير أراضيهم وحفظ حقوقهم واستعادة عزتهم وسيادتهم بين الأمم كما سادوا في الماضي.

وفي الختام من الأهمية القول بأن الشعوب العربية سئمت من التحدث باسمها خاصة عندما يتعلق الأمر بالتطبيع وإقامة العلاقات مع إسرائيل لأنها أدركت بأن المسألة تعدت القضية الفلسطينية وآلام الفلسطينيين لمسألة المتاجرة بقضاياهم، والمزايدة على توجهاتهم، والانتقاص من وعيهم، بهدف تحقيق مكاسب شخصية وحزبية وأيديولوجية ضيقة على حساب قضايا العرب المصيرية ومستقبل أمن واستقرار دولهم ومجتمعاتهم.

* نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات