عاجل

البث المباشر

مشاري النعيم

<p>مشاري النعيم</p>

مشاري النعيم

المدينة العميقة

المدينة العميقة هي ظاهرة طبيعية ومقبولة، بل هي أمر واقع، طالما أن الفرصة متاحة للمجموعات الأخرى التي تسعى أن تجعل من المدينة فضاءً للحياة، فكل مدينة تتقاطع فيها المصالح مع التطلعات المثالية لبناء مجتمع إنساني فاضل..

في العام 1994م التحقتُ بقسم التخطيط بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، بعد أن أنهيت مرحلة الماجستير في العمارة، ولم تكن فرص الابتعاث في تلك الأيام متاحة كما هو اليوم. خلال ذلك العام توقفت عند مصطلح "مجموعات النفوذ" Power Groups التي تهيمن على المدينة، وكان هذا المفهوم مطروحا في مادة "نظريات التخطيط" وأذكر أن الدكتور عادل الدوسري، وقد كان أستاذا للمادة، يحضر وبيده كتاب بنفس العنوان. هذه المجموعات، كما يتحدث عنها الكتاب، لها مصالح كبيرة في كل مدينة توجد فيها وهي التي تقوم بتوجيه تخطيط المدينة فعلا. ويبدو أن هذه الظاهرة تشكل من مسألة الوجود الإنساني القائم على استثمار القوة للمصالح الشخصية، فكل المدن القديمة والحديثة تمارس نفس الأدوار وهو نفسه الأمر الذي جعل من التقنين والتنظيم وسيلة للضبط الحضاري والتهذيب الإنساني المديني. منذ ذلك الوقت وأنا أحاول أن أفهم واقع المدن في العالم وأتعرف على ما صرت أسميه "المدينة العميقة" نسبة للدولة العميقة، وهو مصطلح سياسي يبين كيف أن كثيرا من الدول الكبيرة في العالم لديها مجموعات نفوذ كامنة خلافا للمجموعات السياسية الظاهرة، أو ربما هي شراكة بين الفريقين لكن دون شك أن مجموعات النفوذ الكامنة تحرك وتغير توجهات كثيرة وتؤثر على عملية اتخاذ القرارات دون أن تكون ظاهرة بحد ذاتها وهو الأمر الذي يعزز من أهمية التوافق بين المجموعات. إذن مفهوم المدينة العميقة، كما يراه المقال، هو: تلك المدينة التي تتشابك فيها المصالح السياسية مع رأس المال وتؤثر على إدارة المدينة ويستجيب عمران تلك المدينة لتوازناتها ويشكل ملامحها العامة مع مرور الوقت.

المدينة العميقة هي ظاهرة طبيعية ومقبولة، بل هي أمر واقع، طالما أن الفرصة متاحة للمجموعات الأخرى التي تسعى أن تجعل من المدينة فضاءً للحياة. فكل مدينة تتقاطع فيها المصالح مع التطلعات المثالية لبناء مجتمع إنساني فاضل. المدينة الفاضلة التي تحدث عنها أفلاطون والفارابي، لم تتحقق على أرض الواقع ولن تتحقق لأنها لم تضع في اعتبارها مفهوم "المدينة العميقة"، التي تتقاطع مع مصالح "كبرائها" الذين يملكون المقدرة على تغيير مسارات تطورها، وبالتالي فإن مفهوم "المثالية" وحدهُ لا يصنع مدينة أبدا. ينطبق هذا على مصطلح "أنسنة المدينة"، فهذا المصطلح يبدو مثاليا لكن وظفته بعض مجموعات النفوذ لخدمة مصالحها في المدينة وحولت بعض أجزاء المدينة إلى فضاءات يقال عنها إنها "إنسانية" لكنها في واقع الأمر كان الهدف هو رفع القيمة السوقية للعقارات وجذب الزوار للمنطقة. توافق مصلحة المدينة مع مصالح مجموعات النفوذ، من وجهة نظري، في صالح المدينة بشكل عام. هذا المشهد الذي يتكرر في كثير من مدن العالم يعبر عن "تدافع موازين القوى" داخل المدينة للوصول لاستقرار اتخاذ القرار.

من الواضح أن المدينة "كيان معقد" يعكس التعقيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لكنه في نفس الوقت يمثل دوائر زمنية متعاقبة لهذه التأثيرات المتشابكة، فكل مرحلة زمنية سوف نجد تأثير مجموعات النفوذ التي كانت مهيمنة في تلك الفترة، والتجاذبات التي حدثت آنذاك بين الخطط العمرانية المعتمدة وبين المصالح الخاصة لتلك المجموعات. هذا "الصراع" هو الذي يصنع "المدينة العميقة" بكل تعقيداتها "غير المنطقية" أحيانا وبتجاوزاتها للمخططات المعتمدة وامتداداتها غير المبررة أحيانا أخرى. دراسة التطور العمراني للمدن بهذا المنظور هو دراسة في حد ذاتها للتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي عادة ما تطبع المدن بطابعها وتحدد شخصيتها.

يبدو أن المدن قائمة على مبدأ التجاوزات، فحتى وإن كانت هناك قوانين صارمة تحد من هذه التجاوزات إلا أن "عمق المدينة" غالبا ما يستجيب للمصالح الكبيرة للمجموعات النافذة فيها، وبالتالي يصعب التحكم في المكون العمراني لأي مدينة. ولو حاولنا أن نتتبع تطور الأنظمة العمرانية حول العالم سوف نجد أنها استجابات لهذه التجاوزات، فظهور وتطور الأنظمة العمرانية هو نتيجة لمبدأ التجاوزات التي تدفع بها مجموعات القوى. الهوية العمرانية ذاتها هي نتاج هذا الصراع بين الأنظمة والمصالح والمجموعات المتصارعة مع المدينة، وبالتالي فإن مسألة تحديد "هوية المدينة" يخضع بشكل كبير لهذا الصراع. خلال الربع قرن الأخير حاولت أن أفهم "الهوية العمرانية" من خلال هذا الصراع الديناميكي ووجدت أن هوية المدينة مسألة معقدة لا يستطيع أحد تحديد مساراتها لكنها تتشكل وفق "نمو الوعي" داخل هذه المدينة والكيفية التي يتم بها إنتاج العمران فيها نتيجة لهذا الوعي.

يجب النظر للمدينة العميقة على أنها تتكون من مجموعات متوافقة ومتصارعة بما في ذلك المجموعة التي تدير المدينة بشكل مباشر، ويفترض أن تعمل على تطويرها حسب الخطط الموضوع لها، لكن في الواقع أن من يدير المدينة غالبا ما يكون تحت ضغط وتأثير المجموعات الأخرى، مجموعات النفوذ ذات المصالح الكبيرة في المدينة والمجموعات التي ترى المدينة مكانا للعدالة والمساواة الاجتماعية وتمارس تأثيرها في توجه المدينة كي تكون فضاءً يحث على الحياة الإيجابية، هذا لا يعني أن مجموعات النفوذ تأثيرها سلبي دائما، لكنها تقدم مصالحها على مصلحة المدينة نفسها، وهذا ما جعل كثير من المدن المعاصرة تعاني من إشكالات كبيرة، يصعب إصلاحها أحيانا.

*نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات