عاجل

البث المباشر

هناء حجازي

<p>كاتبة</p>

كاتبة

الفن والوصاية

الأسبوع الماضي كان هناك حديث حول فيلم يبدو أنه يحقق درجة نجاح عالية وتوصيات كثيرة من قبل أشخاص أثق بآرائهم ودرجة ثقافتهم، لكن الفيلم بالنسبة لي كان خيبة أمل. لم أر ما يراه الآخرون فيه، وبالبحث وقراءة مراجعات أجنبية له وجدت أن هناك من يوافقني الرأي ويعتبره خيبة أمل في المخرج المعروف بفنيته العالية.

أتذكر حين مشاهدتي فيلم جوكر كنت معجبة جداً به وبأداء الممثل الرئيس، كتبت عن الفيلم ورؤيتي لفنيته لكنني كنت مدركة أيضاً مدى الاختلاف الذي دار حوله وكيف كان خيبة أمل لنقاد سينما معروفين.

الشاهد مما ذكرت، أننا نحمل ذائقات مختلفة، والذائقة مسألة يصعب اكتشاف كيف صنعت، فهي مسألة معقدة، تعتمد على كل رافد دخل إلى حياتك منذ ولادتك. تختلف باختلاف ميولك وقراءاتك ومشاهداتك بالإضافة إلى لا وعيك. مسائل كثيرة جداً تتدخل وتجعل لك ذوقاً محدداً، لا تفهم لماذا أو كيف يجعلك ترفض أحياناً ما يتفق الأغلبية على جماله أو أهميته، المشكلة في التعبير عن هذا الاختلاف.

بينما يصر البعض على أن رؤيته هي الحقيقة وهي الصحيحة وهي قمة الفن والمعرفة بالفن، وأن معارضة ذلك يعني أنك تعارض فهم الفن. بينما يعي آخرون أن عدم قدرتك على الاستمتاع بمشاهدة فيلم أو قراءة كتاب لكاتب معين لا تعني إلغاءك للمخرج أو الكاتب، هي تعني فقط أنك لا تحب هذا النوع من الأفلام أو هذا النوع من الكتابة.

هذا الناقد الصارم، الذي يحمل بيده عصا، ترشدك إلى ما يجب أن يمتعك وما لا يجب أن يمتعك، الذي يسخر منك لأنك معجب بكاتب معين لأنه لا يعجبه، ويرى أن علمه وقراءاته تسمح له أن يكون الوصي عليك. هذا الناقد هو مشكلتي. لأننا نعرف أن المعلم الذي شدنا وكان الأقرب إلى قلوبنا وفهمنا وجعلنا نبحث أكثر ونقرأ أكثر، كان المعلم المبتسم، الذي دفعنا للقراءة دون أن يسخر منا أو من أسئلتنا ولم يترفع علينا حتى في داخله.

كلما كبرنا أكثر، وكلما قرأنا أكثر، صرنا أكثر تسامحاً وفهماً. لا ألغي النقد ولا أهميته وفي رأيي هو الذي يصقل الفن ويطوره ومنه نتعلم الجيد من الرديء. لكن في رأيي أن الناقد الفاهم والواعي هو الذي يعرف كيف يدلنا على مواضع الجمال بدون أن يصدر أحكاماً، لأنه ليس قاضياً. في اللحظة التي أسمع فيها ناقداً يصدر حكماً، أفر منه فراري من أي وصاية. أي قارئ أو محب للفن يحمل هذه الشخصية الرافضة، لذلك أيها النقاد، بشروا ولا تنفروا.. وابتسموا.

* نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
رابط مختصر

إعلانات