ما بعد ارتفاع معدلات البطالة

خالد الشنيبر

خالد الشنيبر

نشر في: آخر تحديث:

أعلنت الهيئة العامة للإحصاء عن نتائج نشرة سوق العمل للربع الثاني من هذا العام، وكشفت نتائج النشرة عن ارتفاع في معدلات البطالة للسكان السعوديين؛ ليصل لما يقارب 15,4% بارتفاع مقداره 3,7% مقارنة مع الربع الأول من نفس العام، وبلغ معدل البطالة للذكور 8,1% مقارنة بـ31,4% للإناث، وانخفضت نسبة المشتغلين بشكل عام بمقدار بسيط مقارنة بالربع السابق.

ارتفاع معدل البطالة لهذا المستوى في الربع الثاني، والذي شهد ظروفًا استثنائية؛ بسبب تداعيات فيروس كورونا، كان متوقعًا بالرغم من قيام هيئة الإحصاء بمسح الربع الأول في وقت مبكر «يناير»، والمتوقع كان أكبر من هذا المستوى، لولا دعم الدولة للقطاع الخاص، من خلال برنامج ساند، والذي خفف من آثار كبيرة كانت ستؤدي لانهيارات أكبر في سوق العمل، والسؤال الأهم: ما هو التوجّه القادم والأنسب حتى لا نرى ارتفاعات غير مسبوقة في معدلات البطالة؟.

لكل مرحلة ظروفها الخاصة، وأنا شخصيًا أرى أن التعامل مع قضية البطالة في الوقت الحالي يحتاج لتكتيك مغاير، وأي محاولة لتوجيه الاتهامات لأي جهة، سواء كانت «وزارة» أو «قطاعًا خاصًا» بسبب ارتفاع البطالة في هذا الربع تُعتبر «بلبلة»؛ لأن الارتفاع في معدلات البطالة شهده العالم أجمع، ولم ينحصر على منطقة معيّنة، والقضية الأساس والأهم هي خروج المنشآت من السوق.

المسألة الآن لا علاقة لها بإيقاف الاستقدام، والذي يعتبر حجّة اعتدنا على سماعها، ونادى بتطبيقها الكثير من المختصين، فكثير من المؤشرات أثبتت أن العلاقة بين توظيف السعوديين وغير السعوديين هي علاقة طردية، وليست عكسية كما يتخيّل البعض، وإستراتيجية التوظيف المستقبلية بالوقت الحالي ستشهد تغيرًا جذريًا، وستعتمد على دمج العديد من المهام والوظائف، والمنشآت الحالية ستدخل في دوّامة ليست بالسهلة حتى يصل أغلبها للتعافي، وباختصار.. الوضع أصبح أكثر تعقيدًا من السابق.

ما نحتاجه فعليًا وحتى نتمكّن من التعامل مع قضية البطالة بالشكل الأنسب هو ولادة منشآت جديدة بمختلف أحجامها والمحافظة على المنشآت الحالية، وأنا شخصيًا لا أتفق مع أي توجّهات تنحصر وتتركّز «فقط» على الإحلال بالوقت الحالي، فالسوق بشكل عام، وعلى الصعيد العالمي، يشهد خروجًا لمنشآت بعددٍ غير مسبوق بسبب تداعيات أزمة فيروس كورونا، مقارنة بدخول خجول لمنشآت جديدة، ولذلك أرى أهمية لتغيير مسار دعم القطاع الخاص؛ ليشمل مسارات أخرى بدلًا من التركيز على دعم الأجور «فقط»، والذي لن يستمر ـ منطقيًا ـ لفترات أطول مما هو معلن، ولا يعني ذلك التقليل من أهمية دعم الأجور، ولكن تكاليف المنشآت لا تعتمد فقط على أجور موظفيها، فالدعم المقدم حاليًا ينحصر هدفه في المحافظة قدر الإمكان على المشتغلين السعوديين بالوقت الحالي، والتقليل من عملية التسريح فقط لا غير.

واقعيًا.. هيكلة وتركيبة منشآت القطاع الخاص في فترة ما قبل فيروس كورونا لا يمكنها استيعاب الداخلين المحتملين لسوق العمل من السعوديين، ولا حتى المتعطلين إذا كان الاستهداف وظائف ذات أجور متوسطة، فالقاعدة الوظيفية محدودة وتسيطر عليها الوظائف الدنيا بشكل كبير، ولذلك من المهم أن نرى تحركًا سريعًا من الجهات المعنية لإعادة النظر في التشريعات والتنظيمات الحالية، وبرامج التحفيز والدعم للقطاع الخاص، فالظروف الحالية تستدعي أن نرجع خطوة في التعامل مع قضية البطالة؛ لتكون البداية من إستراتيجية تتركّز في تقوية المنشآت الحالية، ودعمها قدر الإمكان، بالإضافة لإستراتيجية لزيادة عدد المنشآت بمعدلاتٍ أكبر على المدى القريب، خاصة الصغيرة والمتوسطة.

المسألة ليست تشاؤمًا أو حتى تشكيكًا في الاقتصاد، ولكن الواقع يستدعي مراجعة مستهدفات البطالة المُعلنة بحذر؛ لتكون أكثر منطقية في ظل الظروف الاستثنائية، والتي سيصل تأثيرها لعدة سنوات، وأيضًا إعادة مراجعة لمؤشرات ومبادرات عديدة، خاصة التي تندرج تحت البُعد السابع في وثيقة التحوّل الوطني، والمعنية في تمكين القطاع الخاص.

ختامًا.. القطاع الخاص «فيه ما يكفيه»، وبدون إعادة النظر للتنظيمات والتشريعات الحالية، خاصة التنافسية من القطاع العام، فسنرى معدلات ارتفاع غير مسبوقة للبطالة، وسنعزّي أنفسنا بخروج العديد من المنشآت، ودعم الأجور فقط لمدة أطول لن يفي بالغرض أبدًا.

نقلاً عن "اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.