عاجل

البث المباشر

مجلس الشورى المأمول.. !

بعد أيام قليلة من الآن، سوف تتم إعادة تشكيل مجلس الشورى السعودي، ليبدأ المجلس دورته الثامنة، بعد صدور نظامه الجديد عام 1412هـ. والحديث عن المجلس، أو حتى عن جزئية فيه وعنه، ذو شجون لا حصر لها، فللمجلس جوانب وتداعيات، وأمور متعلقة، كثيرة.


تشرفت باختياري عضواً في مجلس الشورى، اعتبارا من دورته الرابعة، التي بدأت يوم 3/‏3/‏1426هـ. وتشرفت بتجديد عضويتي في المجلس مرتين، انتهت يوم 3/‏3/‏1438هـ. وحظيت وسعدت بإتاحة هذه الفرصة الثمينة لي (12 عاما) لأشارك، مع الصفوة المختارة من خيرة رجالات هذا البلد الكريم، في بلورة النظم والقرارات، التي تحكم الحياة العامة لبلادنا، وتوجه حاضرها ومستقبلها، نحو الخير والرفعة والتطور الإيجابي. وهي عضوية تكليف قبل أن تكون عضوية تشريف.

لقد تابعت (بحكم التخصص) هذا «المجلس» منذ نشأته في بلادنا، وبعد صدور نظامه الجديد عام 1412هـ، مروراً ببدء دورته الأولى عام 1414هـ، وحتى الآن. وأستطيع القول: أن هذا «المجلس»، في صورته الحالية، تطور نحو الأفضل، وإن ببطء. ومن أبرز ملامح هذا التطور: زيادة أعضائه من 60 في الدورة الأولى إلى 150 اعتبارا من الدورة الرابعة وما بعدها، وتوسيع بعض صلاحياته... مبتعداً عن «الاستشارة» حصريا، ومقترباً نحو «التشريع الأساسي». كما انفتح المجلس على المجتمع... وزاد تفاعله مع المواطنين، عبر زياراتهم له، ومشاركتهم غير المباشرة، في مخرجاته. وواكب ذلك انفتاح إعلامي... جعل معظم ما يدور بالمجلس معروفاً لدى المواطنين، ومقدراً من أغلبهم... كون ما يدور فيه يتحسس مشاكلهم وآمالهم، ويكرس الفكر، لإيجاد الحلول الأنجع.... للمشاكل والعقبات، وتحديد السبل الأسلم لبلوغ الآمال والطموحات.

ومن الصعب تقديم «تقويم» للمجلس في عجالة كهذه. فمثل هذا التقويم يحتاج إلى كتاب، على الأقل. ولا أخفيكم أنني قد وضعت اللمسات الأولى لكتاب مطول عن المجلس، من حيث واقعه والمأمول منه. وأتطلع لإصداره، إن سمحت الصحة، وكان في العمر بقية.

****

ومبدئياً، أرى أن المجلس يمكن اعتباره الآن مركز ترشيد القرارات والنظم والقوانين، الصادرة عن حكومتنا الرشيدة، والمنظمة لحاضر ومستقبل شعبنا العزيز. ويتطلع الكثير من المسؤولين والمواطنين، بمختلف فئاتهم، ومستوياتهم، إلى أن يصبح هذا المجلس «قطب الرحى» في نظامنا السياسي السعودي....عبر تحويله -المتأني والمتدرج- إلى سلطة تشريعية... لها ما لهذه السلطة من اختصاصات وصلاحيات، وعليها ما عليها من واجبات واستحقاقات.

لقد توصل الفكر السياسي العالمي، واستنادا إلى التجارب العملية والتاريخية لبني الإنسان، إلى صيغة عامة معروفة.... لما ينبغي أن تكون سلطة التشريع عليه، من حيث: التكوين والصلاحيات، وما إليهما. فالحكومة -أي حكومة- هي: السلطة العليا العامة في البلاد -أي بلاد- بفروعها الثلاثة: التشريع، التنفيذ، القضاء. فأي حكومة، وفي أي مكان وزمان، هي في الواقع عبارة عن: جهاز إداري ضخم.... يشرع وينفذ ويقاضي... وتعتبر «السلطة التشريعية» أهم السلطات الثلاث، لأنها هي التي تضع القوانين وتجيز السياسات، وترشد القرارات والاتفاقات، وتراقب التنفيذ وتتابعه...الخ.

مجلسنا ما زال في بداية الطريق. ولكن توجد فيه الكثير من ملامح السلطة التشريعية الحقيقية. كما أنه ليس جامدا، بل إنه يمكن أن يتطور... مقترباً -مع مرور الزمن- أكثر من السلطة التشريعية الحقيقية. وكلنا نريد، بالطبع، لمجلسنا أن يصبح كذلك، في إطار ثوابتنا الدينية والوطنية المعروفة. ويعتبر البعض إن مجرد تواجد المجلس -في حد ذاته- نقلة نوعية في التاريخ السياسي السعودي. فالتواجد غالباً ما يكون أفضل من عدمه، على أي حال.

وقد لمسنا أن قيادتنا الحكيمة تريد أن يكون هذا المجلس أداة فعالة... لخدمة الوطن والمواطن. فهو لم ينشأ للتفاخر أو الادعاء، أو التمويه. وإنما أنشئ ليكون عوناً فاعلاً وإيجابياً للسلطة التنفيذية، في تسيير أمور الدولة، وتصريف شؤون البلاد. ومن يحضر أغلب النقاشات في هذا المجلس، سيرى بأم عينه، ويسمع بإذنه، كيف أن معظم الأعضاء يجتهدون لتصيد أي خطأ أو قصور، للسلطة التنفيذية، ويحاولون جهدهم تقويم أي تجاوز، بما يبدونه من آراء متزنة وخلاقة وجريئة ونزيهة.

****

وبالطبع، فان أهم خصائص أي برلمان هي: امتلاكه للسلطة التشريعية الملزمة إضافة إلى كون أشخاصه منتخبين -بعدد مناسب- عبر الاقتراع المباشر، لضمان تمثيلهم لشعبهم. وغالباً ما يتراوح عدد النواب بين 50 ــ 600، في أغلب دول العالم، ذات الحكومات الديمقراطية. هذا عدا أشخاص المجلس الآخر -إن وجدـ من السلطة التشريعية، التي يتكون معظمها من مجلسين شبه مستقلين، وخاصة في الدول الفيدرالية...

لذلك، لا يستغرب أن تنصب أهم وأبرز «التطلعات» تجاه مجلس الشورى، على تطويره... ليتضمن أهم خصائص البرلمانات. حتى أن ما يعرف بـ«التطوير»، أهم ملامحه هي: أنه يجب -في رأي الكثير من المعنيين- أن يبدأ بالبرلمان (الشورى) وينتهي به. ومع الاحترام لهذه الآراء (المطالب) نذكر إن التدرج والتأني أمران مطلوبان، بشدة وإلحاح، في حالتنا بالذات. وأي تطوير جاد لمجلس الشورى الراهن، يجب أن يتم في إطار الثوابت الدينية والوطنية لشعبنا. ولا بأس في منح المجلس سلطات تشريعية متنامية والأخذ بوسيلة الانتخاب، بشكل جزئي ومتدرج، مع زيادة عدد أعضائه إلى 250 عضواً، كحد أعلى، ولضمان «تمثيل» كافة أرجاء البلاد، إضافة إلى الاستمرار في إشراك المرأة، وإعطائها حق المشاركة السياسية كاملا، طالما أن ذلك لا يتعارض مع ثوابتنا.

ويجب أن يظل «الملك»، في نظامنا السياسي، هو المرجعية السياسة الدستورية. فذلك ضرورة تقتضيها اعتبارات سياسية وتاريخية معروفة. لذا، لا بد أن يكون له حق «النقض» على قرارات مجلس الشورى، وفق قواعد محددة دستورياً. وأن تطويراً كهذا لا بد أن يتم على مدار سنوات.

وختاماً، أؤكد أن رأيي هذا صادر من أعماق مواطن محب وغيور -أولاً وآخراً- وهو رأي قابل للصواب وللخطأ. والرأي الأتم هو لولاة الامر.

نقلا عن "عكاظ"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات