عاجل

البث المباشر

علي الخشيبان

كاتب سعودي

كاتب سعودي

بندر بن سلطان: "وإن أشعر بيتٍ أنت قائله .. بيتٌ يُقال إذا أنشدته صدقاً"

"أمضيت أكثر من 70 بالمئة من وقتي في العشرين سنة الماضية في عملية السلام في الشرق الأوسط والنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني. وقد تحطم قلبي مرّات عديدة عندما اقتربنا كثيراً من الاختراق ثم إنهار كل شيء"، هذا الكلام هو لسمو الأمير بندر بن سلطان، وقد ورد بالنص في الكتاب الذي تحدث عن حياة الأمير بندر، وقد صدرت أول طبعات هذا الكتاب في العام 2010م، وعندما تابعت حلقات سمو الأمير بندر على قناة العربية الموقرة، تذكرت بسرعة كتاب "الأمير" ولم أجد عنوانا لهذا المقال أفضل من بيت قاله "زهير بن أبي سلمى" ممتدحاً الصدق، وهو ما ينطبق تماما على حديث سمو الأمير بندر، ومن يقرأ كتاب الأمير سوف يكتشف الكثير حول مسيرة السعودية والقضية الفلسطينية عبر الأمير بندر خلال عمله الحكومي لعدة عقود.

من يريد أن يعرف المزيد من الحقائق حول القضية الفلسطينية وكيف كانت الفرص تضيع الواحدة تلو الأخرى بسبب القرارات الخاطئة التي كانت تتخذ بسبب ممثلي الشعب الفلسطيني، فإن كتاب "الأمير" يحتوى على الكثير منها، وخاصة في الفصل الثامن الخاص بالسلام في الشرق الأوسط، ومع كثرة التفسيرات حول لقاء سمو الأمير بندر، إلا أن الحقائق التي تم ذكرها في ذلك اللقاء كانت شديدة المصداقية إلى درجة أن لجأ المهاجمون لذلك اللقاء إلى تحويل موضوع اللقاء إلى تفسيرات خضعت وبدرجة كبيرة إلى نظرية المؤامرة، ولكن يبدو أن ثقافة مشتركة حول القضية الفلسطينية يجب الحديث عنها بكل وضوح كما كان من حديث سمو الأمير بندر، فهناك ثلاثة أركان دار اللقاء حولها لا بد من التحدث عنها بوضوح.

أولاً: السعودية وهي دولة حملت على عاتقها وعلى مدى ثمانية عقود كل هموم القضية الفلسطينية، وكانت كما قال سمو الأمير بندر، تلتمس الأعذار وتنأى بالقيادة الفلسطينة عن الأخطاء وتصححها رغم كل الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها القيادة الفلسطينة، وكما يتضح من حديث سمو الأمير بندر أن القضية الفلسطينة استكلهت ليس وقت الأمير بندر، بل وقت دولة مثل السعودية كان يمكنها أن توظف دبلوماسيتها وسياساتها بما يخدمها في مجالات متعددة، ومع ذلك لم يصدر تصريح من السعودية في يوم من الأيام يشتكي أو يعكس ولو موقفا واحدا تنتقد فيه القضية الفلسطينية أو قياداتها رغم كل المواقف غير الموفقة والسلبية التي واجهتها السعودية، وكانت ومازالت تصحح الكثير من الأخطاء التي ارتكبتها القيادة الفلسطينية بحق الشعب الفلسطيني وبحق دولة لها مكانتها الدولية مثل السعودية التي سخرت وعلى مدى ثمانية عقود كل مقدراتها لخدمة فلسطين القضية والشعب.

ثانيا: القيادة الفلسطينية، لقد كنا ندرك كسعوديين أن السعودية وفيما يخص فلسطين كانت "تقاوم ما تحب، وتتحمل ما تكره" كما قال المفكر المصري مصطفى محمود في مقولة تنطبق على هذا الموقف، كل ذلك من أجل فلسطين، لقد كانت القيادة الفلسطينية في زمن الرئيس عرفات تدرك رصانة الموقف السعودي من قضيتها، وكانت السعودية كدولة تدرك أنها تسمح للزاوية الجيوسياسية في القضية الفلسطينية للتداخل مع الزاوية الدينية، وهي مسألة ثقافية فكرية دفعنا ثمنها خلال العقود الماضية في سياقات عقدية وقومية كان من الواجب تفكيكها، لقد أصبح الشعب السعودي وخاصة المثقفين منه يدفعون ثمنا باهظا من العزلة إذا ما حاولوا تفكيك الموقف حول فلسطين بشكل عملي ومنهجي.

ثالثا: الشعب الفلسطيني، ومع كل توظيف سلبي لبعض فئات الشعب الفلسطيني من أجل الهجوم على السعودية، إلا أن الموقف السعودي سوف يظل متمسكا بالشعب الفلسطيني وحقه في أن يعيش بسلام، وعلى العالم العربي أجمع أن يدرك أنه ليست مسؤولية السعودية هي صنع السلام وفقا لمتطلبات القيادة الفلسطينة، صنع السلام شأن عالمي يخضع لمتغيرات سياسية واقتصادية وجيوسياسية ومتطلبات ثقافية واجتماعية تتغير بتغيرات الزمن ومعايير القوى والتوازن في المنطقة والعالم، فما هو متوفر اليوم من حلول سوف يختفي غداً ويأتي جديد.

لقد كانت حلقات سمو الأمير بندر رسائل واضحة وإجابات دقيقة في خضم هذه الاضطرابات التي يشهدها العالم، وهي رسالة واضحة للسعوديين كما قال عنها سمو الأمير بندر وحقائق يستحيل نقضها كونها موثقة، وهذا ما يتطلب التفكير من جديد حفاظا على طاقاتنا السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، فالعالم يتغير والنظام العالمي يعيش مرحلة تحول جادة سوف تفرض الحقائق، والزمن لا ينتظر أحدا، والقضية الفلسطينية تتطلب أن يُرسم لها مسار يتلافى كل سلبيات الماضي، فالشعب السعودي بشبابه الأكثر عدداً ليس لديه وقت لفقده من جديد ما لم يكن وفق منهجيات واضحة عقلانية ودقيقة وعملية.

نقلا عن الرياض

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات