شارلي مُجدّداً.. زيف التنوير وهشاشة التسامح

عبدالله الحسني

نشر في: آخر تحديث:

من المفيد التذكير بفداحة التناقض لبعض مثقفي فرنسا الذين يتشدّقون بالحرية في التعبير وقبول الرأي الآخر، لكن حين يجابهون امتحاناً حقيقياً للمبادئ والقيم، نجد العنصري المقيت يستيقظ في داخلهم..

يقف مفهوم التسامح على رأس القيم الإنسانية والكونية، باعتباره ناظماً للعلائق بين الشعوب والدول، ومُحقّقاً لشروط توازن تلك المجتمعات اجتماعياً، ومرسّخاً لقيمة التمايز والتباين والاختلاف ومن ثم إدارة هذا الاختلاف.

ولا شكّ بأن التسامح كمصطلح -بزغ حضوره وتبلور في الثقافة الأوروبية أو ما عُرف بعصر الأنوار- ولا يملك من يشتبك مع هذا المفهوم تعاطياً ودراسة وتحقيق، إلا أن يشعر بلذّة سعادة غامرة لما تُلقيه هذه المفردة السحرية من ظلال مكتنزة بمعانٍ نبيلة وسامية، وما تسعى إليه تلك القيمة من طوباوية أقرب للخيال، فهذا المصطلح "التسامح" يراهن عليه الفلاسفة، والمفكرون، والمصلحون، وأصحاب الرأي، وعلى قدرته في " عقلنة الاختلاف"، أيّاً كان نوعه.

ولكن هل تحقّق هذا الملمح والتوقّع والأمل المُرتقب في عالمنا وأسرتنا الدولية التي تنظم عِقد تواصلنا وتحاوُرنا حتى بتنا قرية كونية صغيرة؟

الواقع والوقائع والأحداث تشير إلى النقيض تماماً، إذ ثمّة عُنف رمزي ومادي مُعولم ومُدوْلَن يتغشّى كوكبنا، وبشكل مرعب وموغل في بشاعته، بشاعة وقُبح وانخذال يعكس ظلالاً من الخيبة وفشل المسعى والأهداف، ويبزغ في سماء حيرتنا نجمُ سؤال:

لماذا أخفقت جهودنا -وأعني الجهود التي تصدّى لها العالم وتنادى إليها منذ عقود بكافّة أطيافه ونِحلِه وتنوّعه-؟ أين ثمار مراكز الحوار العالمية، والندوات، والورش، التي جعلت من "التسامح" محور نقاشاتها وتوصياتها؟ ولماذا -في كل مرّة- يتجدّد العنف، وتزداد طرائق بشاعته وآليّاته المدمّرة التي لا ترقب في أحدٍ إلّاً ولا ذمّة؟

ولعلّ حادثة قتل معلم فرنسي مؤخراً لعرضه رسوماً كاريكاتورية مسيئة لنبينا -عليه أفضل الصلاة والتسليم-، تبدي بجلاء واضح أنّ غياب التسامح، واستمرار إرث الكراهية، ونبذ الآخر، وعدم القبول باختلافه وتشاركه الحياة معه، يؤكّد هدر الجهود وعدم نجاعتها في خلق حالة من الانضباط القيمي والسلوكي، الذي يكفل تعايش الجميع في سياق تحاوري، وتقبّل وتدبّر علائقي سليم بين مكوّنات المجتمع واندماجه الحضاري فيما بينه، لا زال هذا الإرث الكرهي والحقدي مهيمن على التصورات الذهنية، ولم تجدِ كل محاولات التقارب والتعايش، فالإيذاء في المعتقد والعرق واللون وغيرها من تمايزات مازالت تطلّ بوجهها الشائن البغيض.

وبقراءة فاحصة وواقعية لهذا الواقع الصادم، تبيّن بجلاء غياب مفهوم التسامح، وهو غياب يتضادّ ويفضح حجم التناقض الذي تعيشه فرنسا الحديثة التي تبنّت نهج التنوير بقيمه وانبثاقاته من تواد، وتحاب، وقبول للآخر، ولاختلافه، والرضى بتعدّديته، وضمان حرّيته في العيش، والتعبير في حدود القيم المنضبطة الضامنة لعدم إيذاء الآخر أو ازدرائه بأي شكل من أشكال الميز العنصري المتضاد مع التحضّر وقيم التنوير.

في العام 2017 أصدر الباحث والمفكر الفرنسي إيمانويل تود كتاباً بعنوان" من هو شارلي؟" حذّر فيه من وجود "شارلي نائم"، لافتاً فيه إلى أن ثمة تحفّز في مجتمعه الفرنسي لأن تتحوّل الديمقراطية الليبرالية تدريجياً إلى نظام "أوليجارشي" يحصر المواطَنة الفعلية في نطاق نصف السكان، ويمضي في تحذيره ليؤكّد أنّ شارلي يحكم في كل مكان دون أن يعرف إلى أين يذهب، وفي اللحظة التي ينتسب بوعي فيها إلى القيم الكونية ينطلق بلا وعي إلى البحث عن كبش فداء، مشيراً إلى أنه في كل مكان تسللّت كراهية الأجانب التي كانت بالأمس من سمات الأوساط الشعبية إلى النصف الأعلى من البناء الاجتماعي، وأطلق ترواحاً مستمراً بين الإسلاموفوبيا والروسوفوبيا.

الكتاب بالمجمل، صرخة احتجاج من مفكر ومثقف فرنسي نزيه وذي ضمير يقظ، أبدى تعاطفه مع الآخر المُختلِف، في الوقت الذي تخلى فيه عن تعاطفه مع بلاده فرنسا.

وما دام الشيء بالشيء يُذكر، فمن المفيد التذكير بفداحة التناقض لبعض مثقفي فرنسا الذين يتشدّقون بالحرية في التعبير وقبول الرأي الآخر، لكن حين يجابهون امتحاناً حقيقياً للمبادئ والقيم، نجد العنصري المقيت يستيقظ في داخلهم، وليس بخافٍ موقف أحد مثقفي فرنسا وفلاسفتها، ريجيس دوبريه الذي زار القاهرة مع آلان منار رئيس رابطة مراسلين بلا حدود لكي يجتمع بالصحافيين والمثقفين المصريين بعد أزمة الصور الكاريكاتورية للنبي محمد عليه أزكى الصلاة والتسليم، وكما يشير الباحث والكاتب هاشم صالح في كتابه "معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا" فيقول: "إنّ ريجيس دوبريه عندما زار مصر العام 1976، وبعد أن اجتمع بمثقفي مصر في رابطة الصحافيين المصريين، راح ريجيس دوبريه يتجوّل في شوارع القاهرة وفجأة يقع على بعض الكتب التي تزعج المثقف الغربي أيما إزعاج حتى ولو كان ثوريّاً ماركسياً مؤيداً للعرب مثله، فجأة يرى في واجهة المكتبات كتاب "كفاحي" لهتلر، ثم كتاب "بروتوكولات حكماء صهيون" الشهير! وعندئذٍ يلتفت إلى مرافقه المصري المترجِم ويقول له: ما هذا؟ هل يعقل أن تهتموّا بمثل هذه الأدبيات الرثّة؟، فيتلعثم المرافق ويحاول التقليل من أهمية الأمر، ولكن دون جدوى". وهنا تكمن -بحسب هاشم صالح- الهوّة السحيقة بين مثقفي الغرب والمثقفين المصريين والعرب عموماً، ومن النقاط الجديرة بالذكر حدوث نقطة خلاف بين المثقفين المصريين وبين آلان منار، فقد طرح المثقفون المصريون عليه التوقيع على ميثاق دولي لاحترام العقائد الدينية داخل إطار الأمم المتحدة، لكيلا تتكرر قصة الصور الكاريكاتورية، فردّ عليهم الصحافي الفرنسي بالعكس تماماً: أي ميثاق دولي لا يحترم حرية التفكير والتعبير بما فيها نقد العقائد بأسلوب راديكالي هو حوار طرشان...

يبقى القول: إن إرث الكراهية وحمولاتها الثقيلة لا تنمحي ولا آفاق حضارية ستسطع، مالم ينخرط العالم بضمير حقيقي يقظ في مراجعة نقدية لقيمه ومفاهيمه، بعدّة نقدية صارمة تؤصّل التسامح وتنهض به واقعاً مع ذاته ومع الآخر المختلف دون تمييز أو نظرة تبخيسية واحتقارية.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.