الأدب وصناعة الأفلام

د. فهد البكر

نشر في: آخر تحديث:

بعيداً عن (السيناريو) باتت صناعة الأفلام اليوم مرهونة بتقدم الأدب وتألقه وتوهجه؛ إن العلاقة بين الأدب وتمثيله علاقة وطيدة الصلة، وقديمة في آن، منذ عهد الفيلسوف اليوناني (أفلاطون) الذي رسم الملامح الأولى لتلك العلاقة في نظريته المشهورة بنظرية المحاكاة، ومنذ عهد تلميذه (أرسطو) الذي فصّل القول في الفنون التمثيلية تفصيلاً دقيقاً، وذلك في كثير من نظرياته وقواعده النقدية؛ وبخاصة في ربطه الأجناس الأدبية بالشعر المسرحي القديم، حيث كان الشعر اليوناني محرّضاً على إنتاج العروض التمثيلية التي كانت تؤدّى أمام الجمهور.

على أن ربط (أرسطو) النقدي لم يكن ربطاً أجناسياً صِرفاً، إذ انطلق مما يحمله الشعر التمثيلي والملحمي من طابع تصويري، وكذا فعل (سوفوكليس)، و(يوربيديس) في أعمالهما الأدبية المسرحية؛ لهذا لم يتقدّم الشعر التمثيلي فيما بعد في العصور الحديثة، ولم يجاوز هويته المسرحية سواء لدى الغربيين كـ (راسين، وموليير، وشكسبير، وبرنارد شو)، أو حتى لدى العرب فيما بعد، كما عند أحمد شوقي وعزيز أباظة وصلاح عبدالصبور وعمر أبي ريشة وغيرهم. ومن هنا ظلّ الشعر التمثيلي محدوداً في إطار معيّن لا يحيد عنه، وهو خشبة المسرح.

لكننا اليوم بحاجةٍ إلى نقل الأدب من هذا الإطار المسرحي إلى إطار آخر أكثر تطوراً، وبخاصة في ظل الانفتاح الأدبي والتكنولوجي، والحق أن الأدب و(الدراما) رغم هذا التقارب والانفتاح ظلاّ متباعدين نوعاً ما عن بعضهما البعض، ولا أدري لماذا لا يستعين أهل (الدراما) بالأدب؟ ولماذا لا يقرّب الأدباء أدبهم إلى بساط (الدراما)؟ فبين الاثنين كما بين الأخوين من علاقات القربى والمودة والتآلف، ولئن كان الشعر بطبيعته الإيقاعية الصعبة قادراً على بعث أجواء درامية من خلال القصائد المسرحية، فإن النثر يتيح اتساعاً درامياً قد يكون أكثر تفاعلاً، وليس بالضرورة أن ينشأ ذلك التلاقح على خشبة المسرح، بل ربما نراه في أشكال أخرى جديدة.

إن الرواية التي هي فن التفاصيل قادرة على صناعة الأفلام بشكل متماهٍ مع العصر الذي تعيشه، فهي مادة أصلية خصيبة لإنتاج أفلام مختلفة الألوان، والأشكال، وقد لوحظ ذلك مثلاً في (الأفلام المصرية) التي نهض كثير منها على القصة، والرواية في منتصف القرن العشرين وما بعده، وهو ما يعني امتداد الأدب في صناعة المحتوى التمثيلي؛ فهو - أي الأدب - لم يقف عند حدود الشعر المسرحي القديم، بل تجاوز ذلك إلى تفاعل القصة والرواية مع الأفلام الحديثة، وتطور (السينما).

وما زال الأدب اليوم قادراً على صناعة محتوى تمثيلي جديد، وذلك من خلال الدفع ببعض الأجناس الأدبية ذات البعد الحكائي إلى حقل (السينما) الرحيب، كالدفع مثلاً بالقصة القصيرة والقصة القصيرة جداً والمقامات والرسائل واليوميات والمذكرات والسير الذاتية والرحلات، ويكون ذلك عن طريق (الأفلام القصيرة) التي تحوّل النص أيا كان حجمه إلى (فلم قصير) لا يتجاوز بضع دقائق، وأعتقد أن المهتمين بالشأن السينمائي سيجدون أمامهم مادةً دسمةً إذا ما التفتوا إلى ذلك جيداً، ولا سيما إذا توقفوا عند فن الومضة المدهش.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.