المعارف الشعبية المرتبطة بالصيد

ملحة عبدالله

نشر في: آخر تحديث:

لا يزال العالم بمنظماته يسجل ويقتنص ويدون تراث الأمم، وقد تسطو دولة على أخرى وتسجل مفرداتها وتراثها سطواً وكذباً دون مراعاة وحفظ حقوق الدول في موروثاتها، وقد رصدنا ذلك في كثير من الدول، ولذا فقد سعيت في تدوين ما استطعت جمعه وتحليله في موسوعتي (الجزيرة العربية المكان والإنسان) لحفظ هذا التراث والخروج منه بسمات شخصيتنا التي هي نحن،

وكان من ضمن الخطوط البارزة فيها: المعارف الشعبية المرتبطة بالصيد في بلادنا، وكيف أنها تتم ضمن محددات من قوانين الشرف العربي؟

فالعربي لا يسعى للصيد جوعاً أو فاقة، وإنما ليتمتع بفطرة وغريزة الانتصار، فالإنسان على وجه العموم قد فُطر على غريزة الانتصار وهذه غريزة إنسانية عامة، وهذا ما ترسخ في وجدان الشخصية العربية، كما أن الإنسان الأول نشأ على الصيد ونمت فيه هذه الغريزة.

ولطالما تغنى الشعراء بغزواتهم الصيدية إجلالاً وتبجيلاً لانتصاراتهم، كما أن السير الشعبية قد بالغت في ذلك إمعاناً في التفاخر بالقوة وسعياً وراء غريزة الانتصار، فهذا الزير سالم يعود ممتطياً الأسد وحالباً أنثاه إمعاناً في الشجاعة والقوة، والعربي يستخدم الوحوش الضارية في الصيد كالفهد والصقر وغير ذلك، وقيل: إن العرب هم أول من استخدم الصقر وروَّضه للصيد، ويعتبر الحارث بن معاوية بن ثور بن كندة أول من روض الصقور للصيد، وحدث ذلك أثناء رحلة صيد له مع أصحابه بالقوس والرمح في مكان من الصحراء فيه بعض الشجر والعشب والماء، حيث رأى صياداً ينصب شبكة للعصافير، وينتظر، فإذا بصقرٍ من بعيد ينقض على عصفور علق في الشبكة، وجعل يأكله وعلق الصقر بالشبكة، كل هذا حصل أمام الحارث وهو يراقب المشهد، فأتى بالصقر وأمر بالاعتناء به، بعد أن قال: إنه والله أقوى من الرمح في الصيد، وأمر بتدريبه للصيد به، وهكذا عرف العرب الصيد بالصقور.

وقد تنوعت أساليب الصيد عند العرب بين قنص، وشراك، وطرد، كما أن هناك الصيد بالبيزرة وهي: فن تربية الجوارح وتدريبها على الصيد، هذا كله خلق تعدداً في وسائل الصيد عند العرب، وارتبط بشكل مباشر بتعدد طبائع الحيوانات، فمنها ما يصطاد بالأشراك المستورة، ومنها ما يُرمى بالسهام والبنادق، ومنها ما يؤخذ بالحفائر، ومنها ما يصطاد بالغناء والصفير، وهناك حيوانات يُقتحم عليها وكرها، ومنها ما يُصطاد بالنار، ومنها ما يُقتنص بالجوارح والبازي، ومنها ما يُصطاد بالضواري كالفهد.

وللصيد بالوحوش وترويضها شأن نادر في أداء مهمة الصيد، كما أن في مهنة الصيد متعة يجدها العربي باستدرار لذته، فدرب الفهود والصقور كما ذكرنا، إلا أن الصيد بالفهود أمر عهده العربي، وقد كان أول من استخدم الفهد في الصيد هو الخليفة العباسي أبو العباس والملقب بالسفاح، وقد قيل عنه: إنه تلين طباعه حين يصطاد إلى درجة أنه يعفو عن بعض القبائل المغضوب عليهم حين يعود من رحلة صيد ناجحة، تلك هي متعة غريزة الانتصار التي أشرنا إليها، والتي تجعل حاكماً مثل أبي العباس يعفو ويصفح حين يشعر بالانتصار من فرط النشوة!

وللصيد أحكام وأعراف يتبعها العربي ويقدسها، ولا يحيد عنها، فيعتبرها من قوانين شرف الصحراء. وقد استحسنها أبو جعفر المنصور وقال عنها: "الناس مولعون بالصيد ومُتعته ولذاته، ويلتزمون بآدابه ويرسون قواعده، وكم أتمنى لو أراهم يلتزمون بآداب الحياة كالتزامهم بآداب الصيد".

هذه القوانين العربية لعادات الصيد لا يتخطاها عربي على الإطلاق، ومنها: "ألا يصيد العربي الحيوانات التي تأتيه نتيجة جوع أو عطش أو حدة البرد، وأن يحصل الصياد على فريسته بالمطاردة والجهد، وأن يتم بطريقة المطاردة والمنازلة والظفر بها، وألا يصطاد صيداً عافه آخر أو عجز عن صيده، ومشاركة الآخرين فيما اصطادوه، وأن يختار الصياد الأيام الصحو لكي لا يغدر بالصيد في وكره، ولا يعذب صيده فيسرع بتذكيتها بسلاح حاد، والإحسان إليها إذا ما أبقاها حية، وأن يتجنب أماكن الزرع والثمر، وإذا ما ركض الصيد أمام صائدين في وجهة واحدة، كان الحق لكل منهما في تسديد الرمية إليه، أما إذا ما انحرف الصيد باتجاه أي منهما ولو بشبر واحد كان هو صاحب الحق في تسديد رميته وكان الأحق بها، وإذا ما سدد جماعة من الرماة سهامهم إلى فريسة ما، كان الحق لصاحب الرمية الأولى، وإذا كان هناك قطيع أمام جماعة من الصائدين لزم الأمر أن يرمي كل صائد رميته على الفريسة التي هي في وجهته، وألا يرمي الصائدون على صيد من خلف جدار أو مانع، ويُمنع الصيد عليهم في الأماكن التي بها سكنى، وألا يمحق زرعاً ولا ثمراً، ولا يطلق الصائد سهامه أو سلاحه على فريسة واقفة أو نائمة، وألا يصطاد الصائد فريسة مصابة، ولا يصطاد حيواناً يلد أو طائراً يبيض أو راقداً على بيضه". كما ورد في دراسات منشورة وموثقة.

وبهذا تتضح سمات الشخصية العربية ومدى فروسيتها واحترامها لشرف الميثاق العربي غير المبرم، فإذا ما رأينا قوانين حقوق الحيوان بجمعياته ومواثيقه سنجد أن قانون شرف الصحراء يفوق تلك القوانين، كما أن حكومتنا الرشيدة قد اتجهت إلى إنشاء المحميات ومنع الصيد في عصرنا الحاضر حرصاً على جمال الطبيعة وحفاظاً على نوعيات نادرة من الانقراض.

نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.