عاجل

البث المباشر

الذكاء الصناعي ليس ذكياً بالقدر الذي نعتقده

المصدر: العربية.نت

في شهر مارس من العام 2016، تغلبت برمجية (ألفاغو) التي طورتها شركة (غوغل ديب مايند) على (لي سيدول) الذي كان آنذاك أفضل لاعبٍ بشري في العالم في لعبة الغو. فقد جسد هذا الانتصار لحظةً تاريخيةً في المجال التقني كاللحظةِ التي تغلب فيها حاسوب (ديب بلو) الذي طورته شركة (أي بي أم) على بطل لعبة الشطرنج غاري كاسباروف، وانتصار #النظام_الحاسوبي ( واتسون) الذي طورته أيضًا شركة (أي بي أم) على أعظم أبطال برنامج جيوبردي! (Jeopardy!) في العام 2011.

ومع ذلك فإن هذه الانتصارات – التي بدت مُذهلة – كانت تدور بشكلٍ أكبر حول تدريب #الأنظمة_الخوارزمية واستخدام القوة الغاشمة أي القوة الحاسوبية وتقل فيها الاستعانة بأي ذكاءٍ حقيقي، حيثُ أورد موقع تك عن رودني بروكس، البروفيسور السابق في مجال #الروبوتات في معهد ماساتشوستس وأحد مؤسسي شركة (أي روبوت) وشركة (ريثينك روبوتيكس) مؤخراً، أثناء جلسة تك كرانش روبتيكس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الأسبوع الماضي، ذكر أنه ليس من #الذكاء في شيء أن تدرب الأنظمة الخوارزمية على اللعب في لعبةٍ استراتيجيةٍ معقدة، لأننا ننظر إليها من منظور #العقل_البشري.

وأوضح رودني أنهُ على الرغم من أن برمجية الفاغو كانت قويةً في أدائها للمهمة المُسداة إليها، إلا أنها في حقيقة الأمر لم تكن تستطيع القيام بأي أمرٍ آخر سوى اللعب بلعبة (الغو) على مسطح لوحة تبلغ مساحتها 19 × 19. كما روى قصةً بأنهُ قد وجه سؤالًا لفريق شركة #غوغل ديب مايند حينما كان يتحدث إليهم في لندن مؤخرًا عما سيحدث في حال تغيير مقاس مسطح اللوحة ليصبح 29 × 29، وأجاب الفريق على تساؤله قائلًا إنه لو كان هُنالك تغير بسيط في مقاس لوحة اللعبة:" لكُنا في عداد الموتى".

وأوضح بروكس قائلًا:" أعتقد أن الناس حينما رأوا الأداء المذهل الذي يؤديه (نظام خوارزمي ما) في مهمةٍ معينة توارد إلى أذهانهم أن هذا النظام يستطيع القيام بكل شيء، وهو في حقيقة الأمر لا يمكنه فعل ذلك".

ذكاء القوة الغاشمة

ووفق ما أشار إليه كاسباروف في مقابلة مع ديفين كولدوي في تك كرانش ديسربت في شهر مايو، فإنه لأمر سواء بأن يتم تصميم نظام حاسوبي ليقوم بلعب لعبة الشطرنج على مستوى عالٍ، ولكن الأمر يختلف عندما تطلق عليه تسمية "الذكاء" بما تحويه هذه المفردة من معنى جوهري. إن الأمر ببساطة كرمي الحاسوب مع ما لديه من قوةٍ حسابية على مشكلةٍ ما وجعل الآلة تؤدي ما تُبرع في أدائه.

وقال كاسباروف: "في الشطرنج، تسيطر الآلات على اللعبة بسبب قوتها الكبيرة في الحساب، ويمكنها إنهاء الشطرنج بمجرد أن تصبح قواعد البيانات كبيرة بما فيه الكفاية ويصبح النظام سريعاً بما فيه الكفاية وتكون أنظمة الخوارزميات ذكية بما فيه الكفاية، ولكن لا يزال هناك الكثير من الأشياء التي يفهمها البشر. كما أن الآلات لا تستوعب الأنماط الاستراتيجية وليس لها غاية".

وقال غيل برات – مدير تنفيذي في معهد تويوتا، وهي مجموعة داخل تويوتا تعمل على مشاريع الذكاء الصناعي بما في ذلك الروبوتات المنزلية والسيارات ذاتية التحكم – في جلسة تك كرانش روبتيكس، إن الخوف الذي نسمعه من قبل مجموعة واسعة من الناس بمن فيهم إلون ماسك الذي ذكر مؤخرًا أن الذكاء الصناعي يشكل "تهديدًا وجوديًا على الإنسانية" صادرًا من وصف الخيال العلمي البائس للذكاء الصناعي بأنه فساد في الأرض.

وأضاف: "إن الأنظمة القائمة على التعلم العميق في عالمنا اليوم – والتي تُعدّ سببا في تحفيز كل هذه الأمور إلى حدٍ ما – تُعتبر رائعة فيما يتعلق بمدى نجاحنا إذا ما وضعنا بعين الاعتبار المهام المحددة التي نوكلها لهذه الأنظمة. بيد أنها لا تزال إلى حدٍ كبير ضيقة التفكير وهشة في نطاقاتها. لذلك أعتقد أنه من المهم علينا أن ننظر إلى إيجابيات هذه الأنظمة وسلبياتها أيضًا، وعلينا أن نفكر متى سوف تشكل هذه الأنظمة فعليًا الخطر الذي يتحدث عنه إلون موسك وغيره من الأشخاص".

وقال بروكس خلال جلسة تك كرنتش سيشنز روبوتكس إن الإنسان لديه ميول نحو الاعتقاد بأنه إذا كان النظام الخوارزمي قادرًا على حل الألغاز، فإنه لابد أن يكون على نفس القدر من الذكاء الذي يتمتع به الإنسان، وذكر قائلًا: "وهنا يكمن السبب الذي يجعل الناس – بمن فيهم إلون – يقترفون هذا الخطأ؛ عندما نرى شخصًا ما يؤدي مهمةً على أتم وجه، فإننا نُدرك وجود الكفاءة لدى هذا الشخص، وأنا أعتقد أنهم يُطبقون الأمر ذاته على التعلم الآلي".

مؤسس فيسبوك ينتقد

ومن جانبه، انتقد مؤسس موقع #فيسبوك #مارك_زوركربيرغ التعليقات التي أدلى بها ماسك، واصفًا إياها بالتعليقات "التي تفتقر للمسؤولية بشكلٍ كبير"، وذلك في بثٍ على الهواء مباشرةً على فيسبوك يوم الأحد. ويعتقد زوركربيرغ أن #الذكاء_الصناعي سوف يطور حياتنا في نهاية المطاف. وأجاب السيد ماسك في وقتٍ لاحق قائلًا إن السيد زوركريبرغ لديه "فهم محدود" للذكاء الصناعي.

ويجدر التنويه إلى أن ماسك ليس هو الشخص الوحيد في وجهات نظره؛ إذ أعرب كلٌ من الفيزيائي ستيفن هوكينج والفيلسوف نيك بوستروم عن تحفظاتهما حول التأثير المحتمل للذكاء الصناعي على البشرية – ولكن من المحتمل أنهما كانا يتحدثان حول ذكاءٍ صناعي أكثر عمومية يُدرس حاليًا في المختبرات على غرار أبحاث فيسبوك في مجال الذكاء الصناعي وشركتي "ديب مايند" و"ملوبا"، ولم يتحدثا عن الذكاء الصناعي الذي نشهده اليوم.

وأشار بروكس إلى أن العديد من هؤلاء المنتقدين لا يعملون بالواقع في مجال الذكاء الصناعي، وقال إنهم لا يدركون كيف من الصعب إيجاد حلٍ لكل مشكلةٍ تطرأ، وذكر: "هنالك قلةٌ من الناس الذين يقولون إن الذكاء الصناعي يشكل تهديدًا وجوديًا – ستيفن هوكينج، (مارتن ريس)، الفلكي الملكي في بريطانيا وأشخاص آخرين – ويوجد بينهم قاسم مشترك، ألا وهو أنهم لا يعملون فعليًا في مجال الذكاء الصناعي". واستطرد بروكس حديثه قائلًا: "وبالنسبة لنا نحن الذين نعمل في مجال الذكاء الصناعي، نفهم مدى صعوبة المضي قدمًا بأي شيء ليصبح منتجًا حقيقيًا".

"الذكاء الصناعي" قد تكون تسمية غير صحيحة

جزءٌ من المشكلة ينبع من حقيقة أننا نطلق على هذه الأنظمة تسمية "الذكاء الصناعي"، بينما هي في الواقع ليست كالذكاء البشري على الإطلاق، والذي يعرفه قاموس ميريام ويبستر بأنه "القدرة على التعلم أو الفهم أو التعامل مع الأمور الجديدة أو الشاقة".

درس باسكال كوفمان – من مؤسسي شركة ستارميند الناشئة والتي تساعد الشركات على استخدام الذكاء البشري الجماعي بهدف إيجاد حلولٍ للمشاكل التي تطرأ في الأعمال التجارية – علم الأعصاب على مدى الأعوام الخمسة عشر الماضية، ويقول إن #الدماغ البشري و #الكمبيوتر يعملان بشكل مختلف، وإنه لمن الخطأ أن نقارن الاثنين مع بعضهما بعضا، وأضاف قائلًا: "إن تشبيه الدماغ البشري بالكمبيوتر هو أمرٌ خطير يمنع إحراز التقدم في مجال الذكاء الصناعي".

كما يعتقد كوفمان أننا لن نُطور فهمَنا للذكاء البشري في حال ما إذا فكرنا فيه من الناحية التكنولوجية. وقال: "إنه لمن قبيل الفهم الخاطئ أن نعتقد بأن "الخوارزميات" تعمل كالعقل البشري. فالناس تقع في الحب عبر الخوارزميات وتعتقد أن بإمكانها وصف العقل بالخوارزميات وأنا أرى أن ذلك ليس صحيحًا".

عندما تأخذ الأمور منحنى سيئاً

ثمة حالات عديدة لا تكون فيها الخوارزميات بذات القدر من الذكاء الذي نعتقد. وأحد الأمثلة المسيئة على أن خوارزميات الذكاء الصناعي خارجة عن السيطرة، هو تطبيق مايكروسوفت: تاي شاتبوت (روبوت الشات)، والذي أنتجه فريق مايكروسوفت للذكاء الصناعي العام الماضي. فقد استغرق البرنامج أقل من يوم ليصبح برنامجًا عنصريًا. وذكر الخبراء أن أي برنامج ذكاء صناعي يُمكن أن يتعرض لذات الأمر إذا ما تمت تغذيته بالأمور المسيئة. ففي حالة برنامج تاي، تم التلاعب به عبر تغذيته بلهجة عنصرية وبلهجات مُسيئة أخرى، وبما أن التطبيق قد تمت برمجته "ليتعلم" ويعكس السلوك الذي تعمله، فسرعان ما خرج عن سيطرة الباحثين.

وكانت دراسة قد تم تداولها على نطاق واسع وأجراها باحثون لدى جامعة كورنيل وجامعة ويومينغ قد أظهرت أنه من السهل إلى حدٍ ما مخادعة الخوارزميات التي تمت برمجتها على تحديد الصور. ووجد الباحثون أنه عندما يتم تقديم ما يبدو بأنه أمرٌ "تافه لا معنى له" بالنسبة إلى البشر، فإن الخوارزميات ستعمد إلى تعريفها بكونها أداة تُستخدم بشكلٍ يومي مثل: "حافلة مدرسية".

ووفقًا لمقالة مراجعة أجراها معهد ماساشوتس للتقنية على ذات مشروع البحث، فإن ما لم يُفهم على نحوٍ جيد هو السبب الذي يُعرض الخوارزميات للخداع بالطريقة التي وجدها الباحثون. وما نعلمه هو أن البشر قد اكتسبوا مهارة التعرف على ما إذا كان أمر ما يُمثل صورةً أو مجرد أمر تافه لا معنى له، وأن تحليل الخوارزميات لوحدات الصورة (البكسل) يُمكن أن يتعرض للتلاعب على ما يبدو.

وحتى بعض السيارات ذاتية القيادة تُعد أكثر تعقيدًا بسبب وجود أشياء يُمكن للبشر فهمها عند الاقتراب من بعض المواقف المعينة التي يصعُب على الآلات فهمها. ففي مدونةٍ مطولة تخصُ السيارات المُستقلة بذاتها والتي كتبها رودني بروكس في شهر يناير، تطرق إلى عدد من المواقف المماثلة، والتي تتضمن كيفية اقتراب سيارة ذاتية القيادة من إشارة توقف عند معبر للمشاة في حيٍ سكني بالمدينة ويقف عند أطراف الممر شخصٌ بالغ بمعية طفل يتبادلان أطراف الحديث.

حيث إنه من المحتمل أن تكون الخوارزميات مُبرمجة على انتظار أن يعبر المارة، ولكن ماذا لو أنهم لم يكونوا عازمين على العبور بسبب انتظارهم لحافلة مدرسية؟ في هذه الحالة، قد يُشير السائق البشري للمارة بالعبور، وهم في المقابل قد يُشيرون إليه بأن يُكمل سيره، ولكن السيارة ذاتية القيادة قد تعلق هُناك إلى الأبد في انتظار أن يعبر المارة، وذلك لأن السيارة لا تفهم تلك الإشارات البشرية الفريدة.

إن كل ما ذُكر من أمثلة يُظهر المدى الذي يجب أن نصل إليه مع خوارزميات الذكاء الصناعي. وإذا تمكن الباحثون من تحقيق نجاحاتٍ أكبر من حيث تطوير ذكاء صناعي أوسع نطاقًا، فإن ذلك قد يُغير الأمور التي يُمكن للبشر القيام بها بكل سهولة، والتي يصعب تلقينها كثيرًا للخوارزميات، وذلك تحديدًا لأننا لسنا مقيدين في تعلمنا على مجموعة محددة من المهام.

إعلانات