برج جديد بباريس

بدر الدين الإدريسي

نشر في: آخر تحديث:

في حديقة الأمراء، هناك بباريس إمارة الجمال والإبداع، لا أحد منا يعرف بأي سيناريو ستنسج حكاية الصدام الرائع والمثير بين أمراء باريس سان جيرمان وملوك التيكي - تاكا برشلونة عن الدور ربع النهائي لعصبة أبطال أوروبا، بالتأكيد الطبعة فريدة من نوعها، أصل الحبكة القصصية مثير للغاية ولكن لا أحد يعرف كيف ستتعانق الفصول وكيف ستتشكل الدهشة ولا كيف ستنتهي الحكاية.
عندما دارت الكرات السحرية في إنائها البلوري وكشفت لعبة الحظ عن مواجهة الباريسيين لبرشلونة اختلفت ردات الفعل، فمن ضحك ملء الشدقين معتبرا أن باريس سان جيرمان سيكون لبرشلونة التي أقامت الدليل أمام اخطبوط الميلان على أن دستورها مازال يحكم «دولة كرة القدم» صيدا سهلا ومن نبه إلى أن النزال سيفضي إلى النهاية التي تأجلت أمام الميلان للتيكي- تاكا ومن لمعت عيونهم من فرط الدهشة لأن المباراة ستكون دعوة أخرى إلى الدخول لأرخبيلات المتعة.
لا يفكر الكاتالونيون وقد عاد إليهم مدربهم فيلانوفا الذي تهدد المركب الغرق مرات في غيابه، إلا في تقديم كرة القدم التي هي من اختراعهم وتصميمهم، الكرة التي تتأسست على المقدرات الذاتية في إبداع نفس الأحجام الفنية للأداء الجماعي من دون الاكتراث كثيرا بمنافسين لا يأتون إلا لنصب المتاريس وزرع الألغام، ويشغل الباريسيين الشكل الفني الذي يمكن أن يهندسه أمراؤهم ليتمكنوا من ربح رهان العمر، رهان إسقاط برشلونة، ومن يسقط برشلونة يبايع أميرا على إمارة كرة القدم.
يهم برشلونة أن يعطى الهيكل الذي يقوم عليه الأداء الجماعي القدرة على ألا يختنق كما كان الحال مرات هذا الموسم، وقد كان أول الحلول في اللعب بمهاجم صريح، ويهم باريس سان جيرمان أن يختار بين العشرات من القوالب التكتيكية الأنسب والأكثر مطابقة والأكثر تنوعا لمحاكاة برشلونة، وقد تنافس خبراء في المجال التكتيكي من الفرنسيين على الخصوص في اقتراح قوالب جاهزة توجهت كلها إلى شل قدرات برشلونة الجامحة والخلاقة وإلى وقف مده الجارف أكثر ما توجهت إلى البحث في جينات باريس سان جيرمان عن الذي يمكن أن يؤسس لمنهج لعب يقوى على مقاومة الإعصار الكاتالوني، فمن يرى أن الباريسيين لا بد وأن يحتكموا لمنطق الأشياء ويقبلوا بحتمية أن برشلونة لها كل الأدوات الفنية والتكتيكية وحتى النفسية لتتسيد اللعب وتحتكر الكرة لذلك يكون لزاما على لاعبي باريس سان جيرمان أن يتصفوا بالصبر في تعقب الأثر وفي محاكاة النهج وفي عدم ابتلاع الطعم والأمر يحتاج إلى تركيز ذهني عال جدا، ومن يرى أن الخيار الأوحد لباريس سان جيرمان هو أن يكون الأداء قائما على الهوية الفنية الذاتية المتطابقة مع الإمكانيات، أي أن يكون الباريسيون حريصين على أن يختاورا المبنى الدفاعي المنسجم مع إمكاناتهم الذاتية وان يكونوا أكثر نجاعة في استثمار الفرص التي ستتاح حتما لهم باعتبار أن النهج التكتيكي الذي لا يحيد عنه برشلونة يأمر بالإستحواذ على الكرة عن طريق الضغط العالي الذي يربك المنافس ويسجنه في منطقته، وهو ما يعني أن لاعبي باريس سان جيرمان سيواجهون في كل هذا بضرورة الاستثمار الجيد لكل البناءات الهجومية التي ستأتي من المرتدات الخاطفة.
ويمكن أن يطمئن الباريسيون إلى مدربهم كارلو أنشيلوتي الذي يتمثل فكريا القاعدة التي يمكن أن يقوم عليها الدفاع الخرساني لا ليكون مقصلة دفاعية تكنس الرؤوس، ولكن ليكون كابحا لجماح قوية ولتنطع هجومي رائع لبرشلونة هو أكثر ما يرهب الخصوم ويطير النوم من عيونهم، والمؤكد أننا في كل هذا سنوضع مجددا أمام ملحمة كروية قد تغير مجرى التاريخ إن نجح الباريسيون في اقتلاع الأنابيب التي تعطي للتيكي - تاكا التنفس الاصطناعي وقد تقول بأن نهج برشلونة لم يبلغ بعد مرحلة الشيخوخة.

نقلاً عن "استاد الدوحة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.