تائه اسمه تاهيتي..

عز الدين ميهوبي

نشر في: آخر تحديث:

في الوقت الذي كان يجتمع فيه كبار العالم في أرلندا لمقارعة روسيا في شأن سورية، يشرع كبار الكرة في العالم بالبرازيل في التنافس، من أجل لقب بطل القارات، لكن لا أحد يعرف كيف جاءت فكرة إدراج فريق من الهواة، ليشارك في هذا الموندياليتو، ولكن الجميع شاهد منتخب تاهيتي المغمور، وهو يقارع الإسبان أبطال أوروبا والعالم في موقعة كروية، راح الناس يراهنون على أنها لن تنتهي بأقل من 10 أهداف، وهو ما كان، بينما كان أقصى ما تمناه فريق التاو آيتو، أو محاربو الحديد، أن يظفروا في آخر اللقاء بقمصان رفاق نييستا، وبأخذ صور معهم للذكرى، ولا يهم إن كانت النتيجة 10 أهداف أو ضعفها، لأن المهم بالنسبة إلى لاعبي الجزيرة التي اكتشفها الإنكليزي صامويل واليس في 1767، أن يكونوا موجودين إلى جانب نجوم الكرة في العالم، في بلد يتنفس كرة واحتجاجات.

توجيه الدعوة إلى تاهيتي، المصنف في المرتبة 138 عالمياً الذي يهدف إلى الحفاظ على شعبية كرة القدم، أي أن الاحتراف الذي جعل من اللعبة تجارة مربحة، لا يعني أن سيغلق الباب أمام الأصل في اللعبة، وأنها للمتعة والترفيه وبناء جسور محبة بين الشعوب، لهذا تم اختيار فريق من جزيرة في أقصى المحيط الهادي، يضم لاعبين من الهواة، لا يقتاتون من الكرة، ولكن بعضهم يعمل حمال بضائع أو محاسب في شركة.

جزيرة لا يعرف الناس عنها سوى أن أثرياء العالم يقصدونها للراحة والسياحة، وفجأة يكتشفون أنها تعشق الكرة، وتشارك في أكبر محفل للجلد المنفوخ، ويلعبون أمام جمهور يقدر بنصف سكان الجزيرة، وينالون من التصفيق والتشجيع ما لو بقوا 1000 عام في شوارع تاهيتي ما نالوه، وعندما سجلوا هدفاً وحيداً أمام نيجيريا، كاد حاكم الجزيرة أن يجعل من هذا الحدث يوماً وطنياً مدفوع الأجر، فالفرحة لا توصف، كونه إنقاذاً لشرف منتخب الهواة في العالم، وليس تاهيتي فحسب.

ولعل المشهد المؤثر فعلاً في مشاركة رفاق فاهيروا، المحترف الوحيد، هو عندما وقفوا جميعاً في نهاية مباراتهم أمام إسبانيا، وحيوا رفاق توريس الذين لم يحرموهم من القمصان وربما التوقيع على أوتوغرافات في غرف الملابس، لقد كان حلماً لشباب هذه الجزيرة البعيدة، أن يكونوا أمام نجوم لا يشاهدونهم إلا في التلفزيون، فبقدر مشاعر الخيبة في الجزيرة، فإن السعادة تبقى كبيرة في نفوس اللاعبين الهواة الذين فوجئوا بدعوة من أرض السامبا، فأعدوا العدة، وشرعوا في التعبئة لهذا الموعد الكبير، وتحضيراً لهذا الموعد التاريخي تكفل اتحاد تاهيتي بدفع أجور اللاعبين قبل شهرين، وشرع المدرب إيدي إيتايتا في إعداد محاربيه باستخدام مكبرات الصوت وصافرات الاستهجان العالية، حتى يتعود اللاعبون على أجواء ماراكانا افتراضياً.

إن منتخب تاهيتي أشبه بطفل تائه في شوارع ري دي جانيرو، يبحث عمن يدله على بوابة الخروج من زحمة لم يألفها، لكنه يدرك أنه جاء من أرض يأتيها السياح من كل العالم، وهذه المرة يكون التاهيتي هو السائح الوحيد على أرض الكرة نائماً وآكلاً على الرصيف.

نقلاً عن "الحياة" السعودية


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.