أن ترحل..

هدى الطويل

نشر في: آخر تحديث:

ماذا عساه أن يكون ذاك الرحيل؟, بهذا السؤال استفتحت جريدة النهار اللبنانية، قراءتها لرواية "أن ترحل" للأديب الفرنكفوني الطاهر بن جلون، بعد ترجمتها إلى العربية في 2007 . حيث تناولت تلك القراءة، ذلك السؤال البائس، وحاولت الإجابة عنه كالتالي: (الرواية تتحدث عن رحيل يتعلق بـ مواصلة الرحيل، هي رواية عن إدمان الهرب إذاً، وعن داء هو دواء نفسه، عن إنصات الشخصيات إلى "أصوات البلاد البعيدة التي تتردد في أعماقها)".

يدور موضوع رواية الطاهر بن جلون، عن مشروع الهجرة الذي يسكن داخل كل شباب المغرب، والتي تتخذ الرواية من مدينة "طنجة" مسرحا لسرد أحداثها وفصولها، ذلك الشباب المتطلع دائما للهجرة نحو الشمال، تحديداً "إسبانيا"، والحالم بعبور تلك الكيلومترات القليلة الفاصلة بين جهنم والجنة، كما يدور في أذهانه.

كان لرحيل النجم الدولي السابق محمد الخليوي مؤخرا، أثره في استحضاري لعنوان الرواية، وبالتالي إنزاله محل عنوان المقال، و لكن عن أي معنى نبحث لـ"أن ترحل" في وسطنا الرياضي؟!


بعيد وفاة النجم الراحل، تنادى مباشرة جمع من زملائه الرياضيين، ممن زاملوه في "منتخب 94"، أو في نادي الاتحاد، يأتي على رأسهم الخلوق حمزة إدريس، بضرورة المساهمة في التكفل بسداد أي ديون مالية قد تكون مستحقة على الخليوي، والمساهمة على طريقة نظام "الفزعة"، في توفير ما من شأنه ماديا، أن يحفظ لعائلة الفقيد الصغيرة كرامتها بعد رحيله.

ولكن منعاً للوقوف الطويل لتلك الأسئلة، التي تظل واقفة على "باب الله"، دون أن تصل لبر أمان لإجابات شافية، نتساءل :
هل لا بد أولا من رحيل فهد الحمدان، فمحمد الخليوي، وقبل ذلك نجوم آخرين، حتى نتساءل، عما هو مصير "أن ترحل" في مشهدنا الرياضي، من قبل ومن بعد؟!

يفرق جورج طرابيشي بين المشكلة والإشكالية، في شرح طويل، خلاصته: "إن المشكلة هي ما يتطلب جوابا آنيا واضحا .. أما الإشكالية فهي التي تبحث عن جواب تراكمي .. أي لا جواب نظريا أو عمليا لها في الآن والتو .. بل بالإضافات الناتجة من رؤى متعددة لزوايا متعددة".

من هذا المنطلق فإن تصنيف تساؤلنا السابق، يتجه للوقوع في منطقة هي خليط بين ما طرحه طرابيشي في تفريقه بين المشكلة والإشكالية، فهو تساؤل يعبر عن مشكلة، تحتاج لجواب آني وواضح، وإشكالية من حيث إن هكذا تساؤل قد "استوفى دينه من الوقت"، في بحثه عن إجابة أخذت مداها "التراكمي" اللازم.

ولندخل بشكل أكبر في صلب الفكرة، سنطرح تساؤلا أكثر مباشرة، ننتقل به من مرحلة "المسكوت عنه " إلى مرحلة " المنطوق به"، ففي هذا
خصب لا جدب : لما لا يتم إنشاء رابطة تعنى بشؤون اللاعبين "القدامى" ؟!
رابطة على طريقة نقابات المهن المختلفة، أليست وظيفة "لاعب كرة قدم"، مهنة معترف بها رسميا؟!
وعليه لما لا يبادر إلى تبني مثل هذه الفكرة، قدامى لاعبي كرة القدم في المملكة، فهم المعنيون مباشرة بمثل هذا الطرح، وهم هنا "إم الصبي"، بحسب التعبير اللبناني الدارج ؟!

أعتقد أن وجود هكذا رابطة متى ما كانت متحررة من أي تبعات لأي "إطار رسمي"، بمعنى تشكلها وفق رؤية "تطوعية"، بعضوية و انتساب "تطوعي" كذلك، جدير بحفظ حقوق لاعبي كرة القدم من المعتزلين، في حدها الأدنى.

هي فكرة متى ما تحققت فإن "لوصول إلى السهل هذا الجبل" كما يقول أحد الشعراء، يصبح واقعاً أكثر، وما عداه فإن مجرد الحث على هكذا طرح، دون الوصول للغاية المنشودة، يجعل الكاتب أي كاتب مجرد " حاطب ليل".

في رواية ابن جلون، كانت "مليكة" احدى الشخصيات في الرواية، تتطلع إلى "أن ترحل، قبل أن ترحل"، أي "أن تهاجر، قبل أن تموت" .. لاعبو كرة القدم لدينا يتطلعون إلى "أن يصلوا، قبل أن يتوقفوا"، يصلوا إلى "إسبانيا" خاصتهم، قبل أن يتوقفوا عن ممارسة كرة القدم التي أحبوها، حيث ينتظرهم هناك، مستقبل وحياة أكثر أمناً وأماناً و كرامة.

وأظن أنه لابد وأن يجيء ذلك، قبل أن يداهمنا السؤال التالي، الذي سينسف كل ما سبق وطرحناه أعلاه من أسئلة "تحريضية" لأن تغدو "أن ترحل" هي ذاتها "أن تعود"، سؤال "تفجيري" من الممكن أن يباغتنا على النحو التالي :

" أين الطريق إلى أي شيء ؟". كما قال ذلك في "أزمنة" ماضية، محمود درويش

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.