يلين ولا ينكسر

بدر الدين الإدريسي

نشر في: آخر تحديث:

باحترام كامل للتقاليد والطقوس الملكية نصب الإيطالي كارلو أنشيلوتي أميرا لمملكة ريال مدريد لثلاث سنوات قادمة بعد أسابيع من الشد والجذب إزاء الإصرار الذي أبدته إدارة باريس سان جيرمان للإبقاء على الرجل الذي كان يمثل لها الرقم الصعب في معادلة الفتح الأوروبي.

غير كلمات الحب المنمقة والمنتقاة بعناية شديدة لإبراز ما كان في الأصل مبررا لهذا الارتباط، كانت هناك أسئلة تحلق فوق الرؤوس، أسئلة الأهلية والكفاءة والتطابق، فمؤسسة مثل ريال مدريد ليست معنية بشيء آخر غير تحقيق النتائج الهلامية التي تجعل من النادي الأكثر عراقة سيد كل الأزمنة الغابرة والحالية والآتية بطبيعة الحال، وهي بهذه الحاجيات الكبيرة والضاغطة لا تملك هامشا كبيرا لأخطاء التوقع والاستقراء وحتى التنبؤ عندما ترتبط بربان فني جديد.

المعادلة صعبة إذا، فريال مدريد انفصل تحت إكراه ما كان من ظروف لم يتوقعها عن مورينيو «الاستثنائي» وعن مورينيو «السبيشل وان» من دون أن يلتقط النجمة الأوروبية العاشرة التي من أجلها كان الارتباط الفلكي بالرجل الذي قيل بأن لقب العصبة الأوروبية لا يعصي له أمرا، فقد انحنى له يوم كان مدربا لبورتو البرتغالي ويوم كان ربانا للإنتر الإيطالي، ليس هذا فقط ولكن مورينيو الذي خاب فيه الظن وقد فشل في تحقيق ما جاء من أجله ترك الريال وقد اشتعلت النار في مستودع أسراره، تم ترحيل فالدانو المدير الرياضي لتقاطع الأفكار والتيارات مع البرتغالي وتوارى زين الدين زيدان الأسطورة في الظل من دون جلبة ولا ضوضاء بأمر من الحاكم العام، وتم إذلال أساطير الريال لأن مورينيو الذي طالب الصحفيين بتلقيبه بـ«السبيشل وان» لا يرى غير نفسه نجما أوحد لمملكة الريال، وهذه وحدها تهمة تستحق باعتراف مفكري الكرة الإسبانية الجلد ثم الرجم.

في اختيار ريال مدريد للإيطالي كارلو أنشيلوتي عودة للكلاسيكية، عودة لأصول وقواعد التدبير الذي يتوافق مع شكل الهرم الملكي ونمط التسيير الداخلي الذي حاول مورينيو قدر ما يستطيع ضبطه على موجات فكره، وأيضا وهذا هو المهم في هذا الاختيار أن فلورنتينو بيريز استعاد اللجام الذي كان قد تنازل عنه كرها لمورينيو وأصبح بمقدوره أن ينزل المشروع الجديد، وقد اختار بدقة متناهية كلماته ليتحدث عن البعد الفكري قبل الفني للتغيير عندما قال: «كرة القدم ليست مصنوعة من الضغط والشد وإنما من الشغف، والناس من طبعهم لا يحبون الضغط، لقد توصلت إلى أن الضغط كان سلبيا إلى الدرجة التي تعيق تحقيق ما كنا نطمح إليه ولا تعطينا أي مردود».

وطبعا إذا ما نحن فهمنا مسببات التغيير وتوقيته فإننا بحاجة إلى أن نعود لسؤال المطابقة والأهلية الذي يقول: هل أنشيلوتي هو الخيار الأفضل لريال مدريد؟.

الجواب على السؤال الساخن والدقيق يحتاج إلى قراءة موضوعية وهادئة لما آل إليه ريال مدريد اليوم بعد ثلاث سنوات قضاها مدارا ومسيرا بل ومحكوما من مورينيو ويحتاج أيضا إلى أرضية لبناء الحكم، وهذه الأرضية تتشكل من الانعطافة الفنية والتكتيكية التي سيؤسسها كارلو أنشيلوتي لريال مدريد لا ليتخلص تدريجيا من الجلباب الفني الذي صممه مورينيو فقط، ولكن أيضا ليكون مسلحا أكثر لمقارعة كبار أوروبا من أجل ضم النجمة العاشرة لكوكبه ولربح المعركة الأبدية مع الغريم الأزلي برشلونة.

أن يحظى كارلو أنشيلوتي بالإجماع في الدائرة الضيقة التي تتشكل أساسا من صناع القرار داخل الملعب فهذا أمر حاصل بالفعل، فللرجل كاريزما ومزاج مختلف عن مورينيو كما أبلغ بذلك الصحفيين يوم تنصيبه مدربا للريال، يبقى فقط أن نعرف أي تقليعة تكتيكية سيختارها أنشيلوتي الذي يضعه المفكرون الكرويون في منزلة بين كابيلو وساكي وكلاهما صاغ للميلان ملاحم رائعة، هل شاكلة التنوب التي قاد بها الميلان للفوز باللقب الأوروبي أم شاكلة 4/4/2 التي فجر ينابيع العطاء من خلالها بباريس؟.

نقلا عن "استاد الدوحة" القطرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.