البحث عن الدهشة..

هدى الطويل

نشر في: آخر تحديث:

تفرق الدراسات اللسانية الحديثة، بين اللغة و بين القول، فاللغة "هي نظام متعارف عليه من الرموز يتفاهم بها الناس"، أما القول فهو "صورة اللغة المتحققة في الواقع، في استعمال فرد معين، في حالة معينة، حيث إنه يختلف في تفصيلاته من فرد إلى فرد، و من حالة إلى حالة" ... أي بمعنى آخر، وباختصار شديد فإن القول هو "الاسلوب" !

وهنا نطرح تساؤلا: هل هناك من يؤرقه "وعيه" في التفتيش والبحث عمَّا يثير "دهشته" فيما يقرأه في صفحات الإعلام الرياضي المختلفة ؟
ذلك أنه حيثما توجد "الدهشة"، يكون "الجمال" و تسكن "المتعة". و لكن حين تقرأ كلمات أو أسطراً من تلك الصفحات، تعتقد لوهلة أنك سبق وأن قرأت مثلها سابقا، قرأتها بالأمس، قبل سنة، أو حتى قبل سنوات، على الرغم من أن تراكيب مثل هذه الكلمات في حينها هي جديدة وقتما صُفت، لكنها للأسف مكرورة المعاني، ولا تثير في نفسك أي معنى للدهشة أو المتعة، حتى وإن جاء مثل ذلك "التكرار" بعبارات عربية "فصيحة"، فذلك لا يغني شيئاً في سبيل إعمال "الفكر" أو إثارة "دهشته"، فاللغة تفرق بين الفصاحة وبين البلاغة، والبلاغة وحدها هي من تصيب "المعنى" بسهامها. يقول أبوهلال العسكري: "ومن الدليل على أن الفصاحة تتضمن اللفظ، و البلاغة تتناول المعنى: إن الببغاء يسمى فصيحاً ولا يسمى بليغاً".

هناك أسئلة متى ما طال أمد طرحها، وتعثرت الإجابات عنها في طريق مجيئها، عُدَّت على أنها أسئلة "هَرِمة"، فالأجوبة تنبع من العلم. والعلم - كما نعرف - يميت بعضه بعضاً .. وينفي في ميدانه كل لاحق ما سبقه. وهنا ستتوالد لاشك أسئلة لاحقة للسؤال الأول أو السؤال "الهَرِم" .. بينها لماذا لا تأتي مثل تلك الأجوبة الموضوعية النابعة من العلم ؟ هل انتهت درجات السلم المعرفي وبتنا في قمة "الهَرَم" ؟ ( و الهرم لا ينمو ) كما يقول ابن خلدون ؟!
اظننا دائماً في حاجةٍ ماسة لمعرفة إجابات شافية عن الكثير من الأسئلة التي نطرحها في وسطنا الرياضي، وكلما وفقنا واهتدينا إلى تلك الإجابات وأسئلتنا لا تزال "غضّة" كان ذلك أنفع لنا، أما وأن نتركها حتى "تشيخ" فأظن أن كل سؤالٍ من تلك الأسئلة، سيتمثل بدوره قول الشاعر:
"إذا ترحلتُ عن قومٍ و قد قدروا .. ألا أفارقهم فالراحلون همُ".

في "لسان العرب" يأتي معنى "الدهشة" كالتالي "الدهش ذهاب العقل من الوله، وقيل من الخوف". ولكن، ماذا يعني من الخوف ؟! ألا يخالف ذلك فكرة أن سقف الحرية العالي يتيح لنا فرصة أن نطلق للنص عنانه فيما نكتبه، وبالتالي إمكانية خلق شيء من "الدهشة" لدى قارئ النص ؟! ثم عند أي نقطة يقف سقف الحرية هذا ؟! فهناك من يقول إن "الحرية حق الانسان في أن يمضي إلى أبعد مدى يسمح به القانون". ولا شك أنك حين تعيش في مجتمع يتمتع بسلطة القانون، فأنت تعيش في مجتمع مدني وحضاري، لكن السؤال "المريب"، ماذا إن كنت تعيش في مجتمع يفتقد لقوانين ضابطة أو تشريعات حافظة، هل سيكون سقف حريتك "أعلى" منه في مجتمع "القانون المنضبط"على اعتبار أن هنا "سقف القانون" المفترض بات "مطاطاً"؟ و أي المجتمعين السابقين نعيش نحن فيه، و بناءً عليه نستطيع قياس مدى ما نتمتع به من هامش حرية ؟

كان أفلاطون يربط "الدهشة" بـ "القداسة"، و في احدى محاوراته، و المسماه "أوطيفرون"، جرى الحوار التالي:

"أوطيفرون : لست أفهمك يا سقراط !
- سقراط: أنا أعلم أنك أحكم مني بعدد ما أنت أصغر مني، أستطيع أن أشرح لك ما أريد بمثل مما لا أريد، فقد أنشد الشاعر (ستاسينوس):

"إنك لن تروي شيئاً عن زيوس .. مبدع هذه الأشياء كلها .. إذ حيث يكون الخوف يكون التقديس إلى جانبه".

أما أنا فلست أوافق الشاعر .. أأنبئك في أي شيء أخالفه ؟
- أوطيفرون : نعم.
- سقراط: لست أرى أنه حيث يكون الخوف يكون التقديس، فكثير من الناس يخافون الفقر والمرض، ولكن لا أراهم يقدسون ما يخافون.
- أوطيفرون: لا شك.
- سقراط : ولكن حيث يكون التقديس يكون الخوف، لأن من يحس شعور التقديس، والعار من ارتكاب فعل ما، يخاف ويخشى سوء الأحدوثة.
- أوطيفرون: هذا صحيح.

هذا جزء صغير، ولكن "عميق" من محاورة طويلة، تتموضع فيها "الدهشة" بين القداسة و الخوف.

وأخيراً وبعد كل ما سبق قوله، نضع بين مزدوجين الكلمات التالية، و نترك للقارئ حرية أن يرتبها في ذهنه، وبالتالي خلق "دهشته" الخاصة به "اسلوب، معاني، دهشة، إجابات شافية، حرية، خوف، قداسة".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.