بارع أم ضائع؟

مساعد العصيمي

نشر في: آخر تحديث:

لم تكن مواجهة نهائي أبطال أوروبا بين الجارين ريال مدريد وأتليتكو مدريد مجرد مباراة، بل إنها قدمت كثيراً من الدروس والعبر، ما الله به عالم، ففي جزء ضائع من المباراة قلب الله حال أنشيلوتي من ضائع إلى بارع، وتحول سيموني من الأكثر إجادة خلال تسعين دقيقة إلى من لم يستطع الاختيار بين أن يحمي وجهه من الكرات الطائشة أو يحمي مرمى فريقه من الأهداف المتتالية خلال ما تلا تلك التسعين دقيقة، ويا لكرة القدم الظالمة التي يقودها الحظ وأحياناً سوء الطالع إلى تغيير المفاهيم وإعادة التراتيب وتغيير الاستحقاقات خلال ثوان قليلة.
بعد موقعة استاد النور في لشبونة طفقت ألوي على شغفي وأنانيتي كما كثيرين غيري، من أننا نستمتع بالظلم بل ونصفق له، تتلبسنا الإثارة وكأننا مقاتلون لا هم لنا إلا التلذذ بعدد الضحايا التي تتهاوى أمامنا، وكأن كرة القدم قد استمدت عشقها من خداعها وظلمها وتلذذها بدموع الخاسرين وصراخ المنتصرين.
سأتوقف عن النحيب، الذي خرج كالنار من جوفي، ويعلم الله أني لم أكن من المناصرين لسيموني، وفرقته بل إن تاريخ عشقي ارتبط بالريال الملكي، لكن حق لي أن أعترف أن كرة القدم ظالمة استمدت طغيانها وعبثها من جنونها، لا تعرف الإنصاف في كثير من أزمانها، تمنحنا الألق كالمغفلين وبما يدفعنا لنسيان كل السلبيات، فقط نريد الفوز ولا يعنينا أي شيء آخر.
الجمال الأكبر في المواجهة انطلق من تلك الاستراتيجية الدفاعية المحكمة التي رسمها سيموني وفعلها لاعبوه، فكانت صعبة الاختراق عصية الاختلال، لكن لأن «لكل شيء، إذا ما تم نقصان» على رأي جدنا الأندلسي الرندي، فلم يكتمل الجدار الحديدي لينفرج خلال الثواني التي تسبق النهاية بمساحة رأس إنسان، فكان ما كان من راموس، وحين تحضر الفجوة فسيتبعها فجوات لتنفذ أقدام ورؤوس أخرى، ويا لسوء حظ هذا الأرجنتيني الذي لم يجد بداً من تفريغ غضبه على المدافع الفرنسي فاران باتهامه أنه قذف الكرة تجاه وجهه، في وقت لا يعلم سيموني أيحمي وجهه أم مرمى فريقه؟!
ولننتقل إلى براعة أنشيلوتي، فيبدو أنه قد دعا الله أن يظهرها فكان ما كان على يد المخلص راموس، وليكون الإيطالي سيد إنجازات كرة العالم بألقابه الخمسة وكبريائه الذي جعله على رأس قائمة المدربين الأفضل بالعالم، ويا لرأس راموس التي لو أشبعها أنشيلوتي تقبيلاً حتى الصباح، فلن يفيها حقه من فرط ما منحته كبرياء وأوصافاً أقلها البراعة وليس عنها ببعيد الأفضلية على مدربي العالم.
جميل القول: إن الإثارة حضرت والتكتيكات الصعبة تجلت في النهائي القوي، فلم يكن هناك سوء تدبير من الجانبين بقدر أن اللاعبين انغمسوا في المنهجيات الصعبة، فلم نر كريستيانو المتألق ولا بن زيمة الهداف، وحتى في الجانب الآخر احتاج الفريق إلى خطأ الكبير كاسياس ليتقدم رغم أن هجومه كان أقرب إلى أن يكون أعرج من فرط الخروج المبكر لكوستا وغياب الماهر التركي توران، لكن في النهاية من يسجل أكثر يربح، حتى لو كان المنافس أكثر إجادة تكتيكية ليفوز أنشيلوتي ويظفر بلقب البارع، ويخسر سيموني وليحمل صفة الضائع.

*نقلا عن العرب القطرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.