عالم الكرة وصناعة النصر

علي حرب

نشر في: آخر تحديث:

يشكل المونديال الحدث الأبرز الذي يشغل العالم طوال شهر، بحكوماته وإعلامه وصحافته وكتابه، فضلاً عن عشاق الكرة والمهووسين بنجومها. وإذا كان رؤساء الدول يولون اهتمامهم لهذا القطاع الذي يتطور باستمرار، بتعليقهم أو بحضورهم وتشجيعهم للفرق والمنتخبات، فقد كان لافتاً في هذه الدورة حضور مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل في الدور الأول لتشجيع منتخب بلادها، فيما جرت العادة أن الرؤساء والقادة يحضرون في الختام، في حال وصول منتخبهم الوطني إلى المباراة النهائية، ممّا يدلّ على تزايد الاهتمام والتعلق بكرة القدم، كما تشهد النهائيات الجارية على أرض البرازيل.

ولا شكّ أن الإعلام الذي لا يكتفي بنقل الحدث، بل يسهم في صنعه، إنما يلعب دوره الفعّال في ما تمارسه الكرة السحرية من الاستحواذ على العقول، إذ هو أيضاً يستنفر فرقه ويحشد طاقته ويضاعف أنشطته على مدار الساعة، لتغطية الوقائع في ما يخص كل مباراة، وكل منتخب، وكل خطة أو تشكيلة، بل كل فرصة تسنح أو تهدر أو كل هدف يُسجل أو يخفق... ومن الطريف أن كرة القدم، كما هي الحال أيضاً في »التنس«، قد أسفرت عن ولادة ما أسميه »نقاد الكرة« الذين يهتمون بالتعليق في الاستوديوهات أو في الصحافة، على مجريات اللعب، خاصة وأنهم يملكون أدق التفاصيل وأوسع المعلومات حول تاريخ كل لاعب وإنجازاته، أو حول كل مدرب وأسلوبه.

وقد بات هؤلاء النقاد يلعبون الدور نفسه الذي يلعبه المعلقون في المسائل السياسية والقضايا الاستراتيجية. ومن بينهم مثقفون وأكاديميون يتقنون مهنتهم باختراع معجمهم في التقييم والتقدير لما يصنعه كل منتخب، سواء بالإفادة من معجم المحللين الاستراتيجيين، أو حتى من لغة نقاد الأدب. ولذا نراهم يتعاملون مع »الكرة« كما لو أنها »نص« من النصوص، فإذا ما وفق اللاعب قالوا إنه يحسن قراءة الكرة، وإن أخفق قالوا عكس ذلك.

ثمة عامل آخر يفسّر هذا الاهتمام الفائق بكرة القدم، وهو النظر إلى كل فريق بوصفه صورة عن البلد الذي يمثله، فإذا نجح وأثبت قدرته على تحقيق الإنجاز على أرض الملعب، عد ذلك شاهداً على تطور بلده وعلى نجاح دولته وفاعليتها في مجالات السياسة والإدارة والتنمية.

والتفسير المعاكس صحيح أيضاً.. فقد ازدهرت كرة القدم في دول فقيرة ومتخلفة، وبذلك شكل النجاح في مجال الكرة تعويضاً عن الإخفاق في مجالات الاقتصاد والتنمية، كما هي الحال في بعض دول أميركا اللاتينية.

والنجاح في »الكرة« يشبه الازدهار الذي حققته »الرواية« في تلك البلدان؛ كلاهما تعويض عما فات في الميادين الأخرى.

وهذا ما يفسر الحماس الملتهب الذي يحرّك الجماهير الهائجة في المدرجات، والذي لا يخلو، أحياناً، من نزعات عنصرية أو شوفينية؛ إنها الحاجة إلى الغلبة والتفوق في أي مجال. من هنا كانت الفرحة عارمة بعد الفوز اللافت الذي حققه المنتخب الجزائري، في الدورين الأول والثاني، ليس فقط في الجزائر وحدها، بل في غير بلد عربي. مرة أخرى إنها الحاجة، ولكن المضاعفة، إلى إثبات الجدارة وإحراز السبق، وسط ما يشهده العالم العربي من الاضطراب والإخفاق، ومن العنف الذي لا سابق له في وحشيته.

بالطبع تتعرض لعبة الكرة للنقد من جانب الكثيرين، كما حصل في البرازيل بالذات، حيث تقام النهائيات. فلأول مرة تجري هناك احتجاجات وتظاهرات من جانب فئات واسعة وشخصيات ثقافية مرموقة تعتبر أن ما أنفق على الإنشاءات، من ملاعب ومؤسسات وطرقات، كان أولى أن يصرف لتنمية المناطق المهمشة والفئات المسحوقة.

أنا لا أحمّل الكرة مثل هذه الأوزار والأعباء، فاللعبة لم تعد مجرد ترف أو لهو. وحتى لو كانت لهواً أو لعباً، فاللهو هو حاجة راسخة ومتجذرة في المجتمع البشري. كذلك لم تعد اللعبة مجرد حروب رمزية بديلة عن الحروب الحقيقية، نحن الآن إزاء قطاع مجتمعي فعّال ومزدهر. والأهم من ذلك، لمن يريد استخلاص الدرس، أن مجتمع الكرة، على شوائبه وزلاته، أحسن حالاً، ولنقل أقل سوءاً وفساداً، وأقل تطرفاً وعنفاً من مجتمع الساسة ومجتمع أهل العقائد والإيديولوجيات، لأنه يدير شؤونه ويتدبر مشكلاته بصورة ديمقراطية، وفقاً لقواعد اللعب المقررة والمقبولة من الجميع.

طبعاً هناك تنافس شرس، ولكن ليس للإرهاب وممارسة الإلغاء، بل لتحسين الأداء وتحقيق الإنجاز. بهذا المعنى فإن القطاع الرياضي نموذجي بالنسبة لمجتمع المثقفين، الذين أخفقوا في امتحان الديمقراطية كما تشهد ممارساتهم، غير الديمقراطية، في اتحاداتهم وروابطهم.

والأكثر أهمية أن مجتمع الكرة، خارج نهائيات كأس العالم، هو مجتمع معولم، إذ اللاعبون والمدربون باتوا يمثلون، بخبراتهم ومهاراتهم، قيماً عالمية كوسموبوليتيه، بقدر ما يمارسون هوياتهم بصورة عابرة لحواجز الطوائف والأديان والقوميات.

وتلك هي لغة العصر: لغة البعد المتعدد والشراكة البناءة والقوة الناعمة، في مواجهة لغة النصر الخادع والهويات الموتورة والحروب المدمرة. وإلا كيف نفسر أن يكون لركلة قدم هذا الدوي الهائل والأثر الفاعل؟ كيف نفسر هذه الاحتفالات بالنصر المبين عند التأهل للدور الأعلى، وقبل المباراة الختامية؟ بل كيف نفسّر أن تعد خسارة الفريق الجزائري، في الدور الثاني، أمام فريق خبير وعريق كالمنتخب الألماني، »خروجاً مشرفاً« أي صموداً وربما إنجازاً؟ هل هو وهم وعبث؟ الأولى القول إننا إزاء نمط وجود يتم به اجتراح القدرة وصناعة الحياة، بصورة ناجحة وجذابة، بقدر ما هي سلمية وبنّاءة.

لقد شكلت نهائيات كأس العالم فرصة للكثيرين كي يستمتعوا، طوال شهر، بلعبة تحريك الأقدام، لتسجيل الأهداف بذكاء ومهارة وفن وتخطيط، فذلك أفضل بكثير من متابعة المشاحنات السياسية التي تنمّ عن الجهل والتعصب وتحفل بالسباب والشتائم، لكي تشهد على الانحطاط الخلقي والخواء الفكري والدجل العقائدي.

*نقلا عن البيان الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.