عاجل

البث المباشر

جيفري كمب

كاتب وصحفي أمريكي

كاتب وصحفي أمريكي

أميركا تكتشف كأس العالم !

تعتبر منافسة كأس العالم لكرة القدم، والتي يتم تنظيمها دورياً كل أربعة أعوام، الحدث الرياضي الكروي الأكثر شعبية على كوكب الأرض. ويتابع مئات الملايين من المشجعين في أنحاء العالم كافة المباريات خلال هذه المناسبة الكروية العالمية، حتى لو لم يكن لديهم ارتباط أو انحياز مباشر للفرق التي تخوض المباريات. لكن على مدى أعوام كثيرة كان الاستثناء الوحيد من القاعدة هو الولايات المتحدة التي بدا أن شعبها لا يبالي كثيراً بالحدث الكروي العالمي، على الرغم من حقيقة أن منتخبها الوطني تأهل لجميع منافسات كأس العالم منذ عام 1990 وحتى الآن.

بيد أن منافسة كأس العالم الجاري تنظيمها حالياً في البرازيل تميزت بطابع خاص وشهدت تحولا كبيراً في مواقف الأميركيين من متابعة اللعبة الأشهر في العالم. وعلى الرغم من أن الفريق الأميركي ومديره الألماني، «جورجين كلينسمان»، لم ينجحا سوى في الفوز بمباراة واحدة ضد غانا، قبل أن يتم إقصاء الفريق في الجولة الثانية على يد فريق بلجيكا، إلا أن أعداد مشاهدي التلفزيون المحلي في الولايات المتحدة أثناء كافة مباريات الفريق الأميركي كانت مرتفعة بصورة استثنائية، لاسيما أن غالبية المباريات أقيمت بعد الظهر وفي المساء طوال أيام الأسبوع. وشاهد كثير من الأميركيين مباراة فريقهم مع غانا أكثر من نهائيات كأس «ستانلي»، التي تعتبر أهم حدث في منافسات هوكي للجليد السنوية. وكان الرئيس باراك أوباما نفسه مشجعاً متحمساً، وقد تحدث إلى أعضاء الفريق الكروي ليهنئهم على جهودهم الكبيرة.

لكن ما هي الأسباب الكامنة وراء تغير المواقف تجاه كرة القدم في الولايات المتحدة؟

هناك عدد من العوامل وراء ذلك التغير، أولها: أن كثيراً من الشباب الأميركيين أصبحوا يلعبون كرة القدم في دوريات المدارس، وذلك منذ أن بدأ النظر إلى اللعبة على أنها أكثر أمناً من كرة القدم الأميركية المحلية. كما أن هذه اللعبة أنتجت فِرقاً وطنية للفتيات باتت مصنّفة من بين الأفضل في العالم.

والعامل الثاني هو تأثير جالية المهاجرين الإسبان الكبيرة، وجاليات دول أميركا اللاتينية ذات الثقافة الإسبانية، والتي تشهد تزايداً مطرداً في الولايات المتحدة، وهي شعوب تتميز بشغفها الفطري بكرة القدم، إذ تعتبر اللعبة المفضلة في بلدانها الأصلية. ويعَد المنحدرون من إسبانيا ومن دول أميركا اللاتينية في الولايات المتحدة من المشجعين المتحمسين لدوريات كرة القدم الاحترافية التي بدأت العام الماضي شق طريقها في أنحاء البلاد. وقد أضاف استقطاب النجم البريطاني ديفيد بيكهام للعب مع فريق «لوس أنجلوس جلاكسي»، قبل بضعة أعوام، بريقاً ملحوظاً إلى اللعبة وساهم في جدب متابعين ومشجعين جدد.

أما العامل الثالث وراء التغيير المذكور، فهو أن المنتخب الوطني الأميركي يضم مجموعة من اللاعبين الجيدين في الواقع، والذين حظوا باللعب في الدوريات الأوروبية الممتازة أثناء أشهر الخريف والشتاء.

ومن بين الأسباب الأخرى التي تجذب مزيداً من التأييد بين مشاهدي التلفزيون لمقابلات كرة القدم، أن مباريات كأس العالم الحالية تعرض دون انقطاع. ولا يتوقف العرض على مدار خمسة وأربعين دقيقة لكل شوط من أجل الإعلانات. لكن على النقيض فإن مباراة كرة القدم الأميركية يتم تقسيمها، حسب قوانين اللعبة، إلى أربعة أشواط يستمر كل منها خمس عشرة دقيقة. وفي الواقع تستمر كل مباراة لما لا يقل عن ثلاث ساعات. ولعل تخصيص أوقات كثيرة للإعلانات هو من بين الأسباب التي جعلت الشبكات التلفزيونية الأميركية لا تعرض كرة القدم بالحماسة نفسها التي تبديها لكرة السلة وهوكي الجليد والكرة الأميركية. لكن حتى هذا القيد بدأ يتغير، حيث أقبلت القنوات الرياضية في الولايات المتحدة حالياً على دفع مبالغ طائلة لعرض دوري كرة القدم الإنجليزي الممتاز أثناء الموسم، ومن المتوقع أن تجني كثيراً من الأرباح جراء ذلك.

لذا، فإن هناك بعض التفاؤل بأن الولايات المتحدة تتجه من كونها دولة «استثنائية» لا تعبأ كثيراً بكرة القدم ولا تأخذها على محمل الجد، لتنضم إلى التيار السائد في المجتمع الدولي الذي يهتم باللعبة ويبدي شغفاً لا محدوداً بها.

والحقيقة أن ذلك التغير، ومن أوجه مختلفة، يعكس الجدل المحتدم داخل الولايات المتحدة بشأن دورها العالمي، وما إذا كان قد آن لها الأوان كي تتخلى عن مفهوم الاستثنائية الأميركية وتصبح دولة عادية بدرجة أكبر، لاسيما في ظل البيئة الدولية المعقدة والمتنوعة بشكل كبير. وقد كانت هذه هي رسالة الرئيس باراك أوباما في عدد من الخطابات والفاعليات، بعد أن ورث من سلفه بوش الابن حملا مثقلا بتداعيات الحرب في العراق وأفغانستان، وأزمة اقتصادية طاحنة كادت تودي بالنظام المالي العالمي، وسط ارتفاع معدلات البطالة وزيادة كبيرة في الدين الأميركي وركود اقتصادي كبير. ولعلّ هذا هو السبب أيضاً في كونه يواجه معارضة شرسة من المحافظين الجدد والليبراليين الداعين إلى التدخل في الخارج ممن يعتقدون أن الولايات المتحدة يجب أن تواصل تأكيد قيادتها دعماً للديمقراطية والحرية في أنحاء العالم، حتى ولو اقتضى الأمر استخدام القوة ضد الدول التي تحكمها أنظمة مستبدة أو ترعى الإرهاب.

لكن بعد حروب لم تتوقف منذ عام 2001، وخصوصاً حربي أفغانستان والعراق، يتساءل كثير من المواطنين الأميركيين عن حكمة مثل هذه الحملات العسكرية وثمارها التي يمكن أن تعود عليهم، ويرغبون في التركيز بصورة أكبر على إعادة بناء أميركا من الداخل وليس بقية دول العالم.

*نقلا عن الاتحاد الإماراتية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات