غريب أمرك.. «غريب»

عز الدين ميهوبي

عز الدين ميهوبي

نشر في: آخر تحديث:

أن تغيب مصر عن كأس أمم إفريقيا ثلاث مرات متتالية أمر غير طبيعي، وخصوصا أنها سيدة هذه المنافسة القارية بامتياز، وأن يظهر الفراعنة بهذا الشكل الباهت في مباراتي السنغال وتونس شيء يدعو إلى الحيرة، فمصر التي كانت رقماً صعباً في معادلة الكرة الأفريقية لم تعد كذلك، ولجمهور الكرة في مصر الحق في أن يدق نواقيس الخطر للمطالبة بتدارك الوضع قبل أن يستفحل وينتهي المنتخب التاريخي في خانة النسيان. غريب فعلاً هذا الذي يحدث في بيت شوقي غريب، وغريبة أيضاً هذه الهزة التي تتعرض لها الكرة المصرية منذ سداسية كوماسي التي أخرجت رفاق محمد صلاح من سباق التأهل لمونديال البرازيل.

يسعى الخبراء لتفكيك وضع الفراعنة المؤلم، فيقول بعضهم إن السبب يعود إلى انعكاس الوضع السياسي والاجتماعي في مصر منذ ثلاثة أعوام على منظومة الكرة، وزاد من تأزيم ذلك أحداث بورسعيد ومقتل أكثر من سبعين متفرجاً بصورة دراماتيكية، فتوقف الدوري، وتقرر إجراء مباريات الدوري اللاحق من دون جمهور، وكانت النتيجة أن مصر تلعب كرة افتراضية. ثم الدخول في مغامرة التشبيب بصورة قطعية وليست تدريجية، الأمر الذي جعل منتخب مصر يقبل الهزيمة في بيته مجازفاً بسمعته وصيته. وكانت القاصمة أن لاعبي منتخب مصر الذهبي وصلوا إلى السقف العمري، ولم يعودوا قادرين على تقديم أكثر مما قدموه مع المعلم شحاتة خلال عشرية كاملة، أمثال أبوتريكة وأحمد حسن وبركات ومعوض ومتعب وجمعة والحضري. ولم ينجح الموهوب محمد صلاح في أن يكون الفراشة التي تصنع ربيع مصر الكروي، في غياب لاعبين ذوي خبرة، وقدرة على مواجهة منتخبات أفريقية صعبة المراس.

فالانتقال من شحاتة إلى غريب مروراً ببرادلي كان أشبه بالسير على طريق تكثر فيها المنعرجات الحادة، ويتطلبُ مهارة عالية في القيادة. وفي هذه الحالة، على الجمهور أن يتحلى بالصبر، لأن ما قاله شوقي غريب ليس غريباً من أن «ما يمر به منتخب مصر هو حالة فراغ، سبق للجزائر وتونس أن مرتا بذلك»، ولا حيلة للفراعنة إلا القبول بالأمر الواقع، إذا فازوا عليهم ألا يصابوا بالغرور، وإذا انهزموا عليهم أن يدركوا جيداً أن الرحلة لا تزال شاقة وطويلة، وأن يفهموا أيضاً أن زمن الجوهري وشحاتة انتهى، وأن عليهم أن يعطوا شوقي غريب فرصته كاملة، ولا يحاسبوه على هزيمتين أو إقصاء، فالألمان صبروا على يواكيم لوف ثمانية أعوام، لكنهم رفعوا له القبعة عالياً بعد تتويجه بكأس العالم الأخيرة، على رغم اعترافنا كعرب أننا نستعجل النتيجة دائماً، فنطيح الرؤوس بعد خسارة واحدة، ولا وجود لشيء اسمه الاستقرار في قاموسنا، إذ يكفي الاستدلال على ذلك أن ألمانيا لم تعرف طيلة مائة سنة أكثر من عشرة مدربين، بمعنى قبل أن يحكم هتلر ألمانيا. على رغم إدراكنا أن مصر هي من أكثر البلدان العربية التي تحرص على استقرار مدربيها، وعدم الارتجال في العزل والإقالة.

فإذا كانت الجزائر عانت طويلاً من مخطط «تجريب» المدربين، والبحث عن شيء اسمه الفوز، أدركت أن الحل في الاستقرار والعمل المنهجي، وجلب اللاعبين الأفضل ولو كانوا في جزر الوقواق. وهو ما نجح فيه روراوة. والشيء نفسه مرت به تونس والمغرب، إذ جربتا عدداً من المدربين المواطنين والأجانب، وانتهى الأمر بكلمة السر «الاستقرار». ولن تشذ مصر عن ذلك، والسودان أيضاً التي تراجع مستوى منتخبها. والوضع كله ينطبق على البلدان العربية الأخرى، التي لا بديل لها عن «الاستقرار» في الإطار الفني والإداري، وتأمين مناخ تكون نتيجته مضمونة بعد أعوام. ولكم في لوف عبرة يا أتباع الجلد المنفوخ.

*نقلا عن الحياة السعودية


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.