اللغة في ملاعب الكرة..

عز الدين ميهوبي

نشر في: آخر تحديث:

منذ يومين احتفى العرب باليوم العالمي للغة العربيّة الذي أقرّته منظّمة اليونيسكو بطلب من بعض البلدان العربيّة التي رأت في ذلك عرفاناً للغة التي قدّمت الكثير للحضارة الإنسانيّة عبر التّاريخ.. ولأنّ اللغة ليست مجرّد وسيلة، ولكنّها هويّة، فإنّ دلالة وجودها في مواقع عدة هو قدرتها في الاختراق.. ولم تسلم ملاعب كرة القدم من وجود للغة العربيّة، إذ يكفي للتدليل على ذلك من أنّ كبرى الملاعب العالميّة اليوم تفرد مساحات واسعة للإعلانات التجاريّة باللغة العربيّة، في إسبانيا وإيطاليا وإنكلترا، وبعض هذه الإعلانات لا يتصل بالمنتجات الصناعيّة وحدها، بل تعدّاه إلى المنتجات الشرقيّة التقليديّة من طيب وعود وعنبر وبخور..
ولأنّ لعبة كرة القدم شكّلت الصّورة الأمثل للعولمة من خلال قدرتها في جمع أكبر عدد من اللاعبين، مختلفي اللغات والجنسيات في فريق واحد، فإنّ عدداً من هؤلاء اللاعبين صار خبيراً بلغات كثيرة، وأذكر أنّ أوكوشا نجم نيجيريا السابق، أخبرني في لقاء صحافيّ معه أنّه صار يتحدث أكثر من سبع لغات، بل ويقوم بالترجمة بين زملائه، وأنشيلوتي يتكلّم خمس لغات، وغوارديولا أيضاً يتقن عدداً معتبراً من اللغات، لأنّ الوظيفة تقتضي ذلك، ومعروفٌ عن ريبيري أنّه يغيظ الصحافيين الفرنسيين بالردّ على أسئلتهم باللغة الألمانيّة وهو ما اعتبروه استخفافاً بالفرنسيّة لغته الأم، فضلاً عن أنّ معظم اللاعبين يتلقون دروساً خاصة لإتقان اللغات الأكثر استعمالاً كما هو الشّأن بالنسبة للإنكليزيّة والإسبانيّة والإيطاليّة والفرنسيّة.. وآخر ما قرأت أنّ شاكيرا وزوجها بيكيه اتفقا على تعليم ابنهما ميلان سبع لغات هي الكاتالونيّة والإسبانيّة كلغة أمّ، والإنكليزيّة والألمانية والفرنسيّة والرّوسيّة والصينيّة، والحقيقة أنّني تساءلت لماذا لا لم تفكّر شاكيرا في تعليم ابنها العربيّة وهي التي يسري في عروقها دم عربيّ، بينما اختارت لغة كونفوشيوس التي يبدو أنّها تعدّ العدة مع جيرارد لاختيار الإقامة في الصين قبيل اعتزاله في نادي غوانزهو الشهير..
ومن الأشياء التي تؤكّد احترام نجوم الكرة العالميّة للغة العربيّة هو إقدام عدد من اللاعبين بوشم كلمات بالعربيّة على أجزاء من أجسادهم، كما هو الشأن بالنسبة للنجم السويدي إبراهيموفيتش، الذي اختار أن يكتب اسمه بحروف بارزة في أعلى ذراعه الأيمن بهذه الصيغة «إبراهيموفيج» بينما فضّل النجم البرتغالي السابق سيماو تخليد اسم «مريانة» على ذراعه، وتميّز نجم برشلونة والمنتخب الإسباني بوسكيتس بوشم فكرة جميلة باللغة العربيّة هي «ضء لك الحياة في بلدي» وهي رسالة أندلسيّة الرّوح.. وحتّى خارج مجال الكرة، أقدمت نجمة السينما الأميركيّة أنجلينا جولي بوشم كلمة «العزيمة» في ذراعها، وهي المرأة التي واجهت لاحقاً موقفاً صحيّاً صعباً مع السّرطان..
إنّ مكانة اللغة العربيّة ليست في كونها واحدة من اللغات الستّ في العالم، ولا في كون عدد الناطقين بها يتجاوز الـ400 مليون شخص، ولكن أيضاً يتمّ تسويقها من خلال الاستثمارات العربيّة في امتلاك الأنديّة الكبرى، وبروز النجوم العربيّة في مختلف النوادي، وتألق المنتخبات العربيّة في المنافسات القاريّة والعالميّة، وإقبال العالم على القنوات الرياضيّة العربيّة واسعة الصيت.. فهل سنرى يوماً بلاتر يخاطبنا بلغة المتنبّي، إذ يقام سنويّاً المهرجان العالمي للمتنبّي بزيوريخ، وتشرّفت بالمشاركة في أوّل دورة له في العام 2000، أم علينا أن ننتظر حتّى العام 2022 لتمنح الدّوحة العرب امتياز مخاطبة العالم بلسان حمد وأحمد ومحمّد ومحمود وحمدان؟

*نقلا عن الحياة اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.