لعشاق برشلونة

سعد الزهراني

سعد الزهراني

نشر في: آخر تحديث:

صنع برشلونة ليلة للتاريخ، ليلة ستظل الأجيال تتحدث عنها طويلاً. ليس أمرا هينا أن تخسر بالأربعة ثم تعود لتسجل ستة أهداف نصفها سُجل في ثماني دقائق فقط، فبرشلونة عاد ليفعل ما عجز عن فعله طوال 90 دقيقة لعبها في حديقة الأمراء. سجل الأهداف وسط ذهول عشاق المستديرة، وجنون ملعب الكامب نو. أوقف قلوب جماهير اللعبة. إنه حدث استثنائي سيبقى في الذاكرة طويلاً.

كيف استطاع برشلونة قهر المستحيل؟ كيف عاد من الباب الكبير؟ كيف أصبح المرشح الأبرز للبطولة بعد أن كان لا يملك من الترشيحات شيئاً بعد كارثة باريس؟ كيف حطم صناديق المراهنات وقلب الطاولة؟ لأنه برشلونة فهو أكثر من مجرد ناد، ولأن المبادئ راسخة ما بقيت الأرض وبرشلونة موجود فيها.

في برشلونة لا صوت يعلو على صوت ثقافة الانتصار، ومبدأ الجماعة والعمل من أجل المؤسسة والفريق. لم يتوقف برشلونة بعد رحيل لابورتا الرجل الاستثنائي الذي أعاد صياغة واجهة النادي العملاق بل واصل سطوته وسعيه نحو الألقاب، وظل يسير في ذات الطريق باحثاً عن المجد حتى حقق في عقد من الزمن ما حققته أندية أخرى في تاريخ طويل من تأسيسها، وأخرى إلى يومنا هذا لم تستطع تحقيقه.

في برشلونة خرج المدرب الأعظم في تاريخ النادي -من حيث عدد الإنجازات والذي قدم أجمل كرة قدم، فقد كانت شيئاً من السحر، وأقرب للخيال- وأعلن رحيله رغم تمسك النادي واللاعبين والجماهير به، غادر غوارديولا رغم عشقه الكبير لبرشلونة، واستمر النادي في تحقيق الإنجازات، وظل يرصع تاج مجده بالبطولات، يبحث عن المزيد منها. في برشلونة رحل أحد أعظم لاعبي كرة القدم، وأحد أهم جواهر النادي وعرابي فلسفتها عندما شعر بأنه لم يعد يستطيع الظهور باستمرار في تشكيلة فريقه، وعندما شعر بأن الزمن قد تجاوزه. رحل تشافي العبقري أيقونة الإبهار في وسط الملعب، رحل لأنه يريد أن يقدم لناديه كل شيء لم يفكر أن يبقى لمجرد البقاء، وأراد أن يكمل برشلونة مشروعه وسطوته، وفرض هيمنته على مزيد من الألقاب. ولأن النادي يقع في المرتبة الأولى من اهتمامات كل المنتمين إليه، ولأن الجميع يعشق النادي الكيان دون النظر إلى قائمة الأسماء والأشخاص، فقد أصبح وسيبقى برشلونة أكثر من مجرد ناد، وسيد المشهد لوقت طويل. يا من تعشقون برشلونة تعلموا منه المبادئ التي تجعل منه مؤسسة رياضية واجتماعية متكاملة، تأملوا هذا الشغف المستمر لتحقيق الألقاب، تأملوا كيف أنه لا يطيل المكوث في القاع، لأن الألباب والهمم تعلقت بالقمم، شاهدوا كيف يخلق لاعبوه من الانكسار عتبةً ينطلقون منها لصنع شلالات الفرح، ثم يكتبون بعدها سطورا يخلدها التاريخ. يا من تتغنى ببرشلونة أرأيت كيف كان الكامب نو بأكمله يهتز؟ أي ثقة لدى الجماهير تلك التي تجعل أكثر من 90 ألف متفرج يحضرون ويؤازرون فريقاً خسر بالأربعة نعم حضروا، لأنهم يعرفون أن الجميع سيحاول إسعادهم وأن لا أحد في المنظومة يريد خذلانهم، ولأن اللاعبين يشعرون بقيمة المدرج ويحترقون من أجله.

عزيزي المتيم ببرشلونة هل قرأت في مانشيتات صحفهم، وعناوين برامجهم من يهمز أو من يصرح علناً بأن اللوتشو انريكي خائن ويريد الهرب بعد أن خسر برباعية مذلة في الذهاب؟ هل شاهدت رئيسه يوماً في ملعب التمرين مع المدرب يناقشه أو يسأله؟ أو قرأت في إعلامه أنه اجتمع بمدرب الفريق قبل المباراة؟ يا من تعشق برشلونة هل نقلت إليك الأخبار أن بارتميو يريد إشراك إنييستا باستمرار لأنه جلب كأس العالم لبلاده، وسجل هدفاً قاتلاً على تشيلسي كان ثمنه دوري الأبطال فيما بعد وواحداً من أكثر اللاعبين تتويجاً في تاريخ برشلونة مع هذا الجيل الرائع؟

في برشلونة النجاح ليس قصة عابرة ولا غاية مؤقتة. هناك تتم صناعة التاريخ، وتخليد الأمجاد، وتعزيز الثقافة وبناء أساسه القيم التي تحفظ المكانة للمكان أولاً، وتجعل المنتمين له فخورين بانتمائهم والعابرين منه مسرورين بعبورهم، يدركون أنهم راحلون لكن التاريخ باق، وأنهم مؤقتون والكيان مستمر، فالناجحون كثر لكن العباقرة قلة.

**خاص بالعربية.نت - رياضة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.