أولا مبروك لمصر. ولكل مصرى محب لمنتخب بلاده، ويجد فى هذا الحب تعبيرا صادقا عن الانتماء.. مبروك لهذا الجيل من اللاعبين الذين لعبوا بقتال حقيقى من أجل إسعاد الناس.. مبروك للجهاز الفنى بقيادة كوبر.. مبروك لك «مولانا كوبر».

بدأ الفيلم.. فيلم مباراة الكونغو بالنسبة لى مبكرا استدعيت إلى الاستوديو لمتابعة مباراة مصر والكونغو فى مدينة الإنتاج الإعلامى، لم يكن الهدف هو تحليل اللقاء. وإنما المشاركة فى احتفالية متوقعة، بل احتفالية بدأها الإعلام كله فور انتهاء مباراة أوغندا وغانا بالتعادل، لدرجة أن كثيرا من الزملاء الإعلاميين كانوا يسألون الجمهور: كيف ستحتفلون غدا؟!

** استاد برج العرب محشود بأكثر من 70 ألف متفرج معظمهم شباب «زى الورد».. ونصف الجمهور فتيات.. وتوجهوا جميعا لمساندة الفريق بمشاعر وطنية، وفى ظاهرة حضارية مصرية.. ومعلوم أن تشجيع الناس للكرة ونجومها يكون تعبيرا عن الانتماء ومظهرا له، فالإنسان ينتمى إلى أشياء معينة أحيانا بإرادته وأحيانا أخرى بالرغم عنه، فهو ينتمى إلى أسرة ثم مدرسة ثم عمل وهو منتم إلى وطن وإلى نقابة والى ناد. وجمهور الكرة يجد فى تشجيع منتخب بلاده تشجيعا لوطنه وتعبيرا عن الانتماء لهذا الوطن.. وعندما يختلط بمشجعى منتخب بلاده يفرح بفرحتهم، ويفرح بانتصاره، لأنه يشعر بأنه انتصار له هو فى النهاية.. فالفريق ونجوم الفريق هم أبطال المشجع.. هم يلعبون بالنيابة عنه، ينتصرون له. فيكون هو البطل.. وهكذا كان لاعبو المنتخب وهكذا كان مشجعو المنتخب فى تلك المباراة الملحمة..

** كنت شعرت بالقلق قليلا من تلك الاحتفالية المبكرة. وعلى مدى 42 سنة من ممارسة مهنة الصحافة، ومن مباريات لا حصر لها تابعتها، تعلمت من كرة القدم الحكمة. حكمة الانتظار حتى صفارة الحكم الأخيرة.. وبعض الناس علمتهم كرة القدم الفلسفة، كما تعلم سقراط الفلسفة والصبر من زوجته.. فمن أهم أسباب شعبية تلك اللعبة أنك لا تعرف نتائج مبارياتها باليقين، وتظل كل نتيجه محل شك. حتى آخر لحظة.

** أغلقت باب الحجرة وأخذت أتابع المباراة وحدى كأسير فى زنزانة. متخليا عن متعة المشاهدة وسط جموع الناس وجماهير اللعبة، فالمباراة..

لم تكن مجرد مباراة فى كرة القدم، فى طريق تصفيات كأس العالم. وإنما كانت حلما ظل قائما 28 سنة، كانت تحديا.. فى أحيان كانت التصفيات بالنسبة لنا مثل حلم يقظة. وفى أحيان كانت مثل كابوس.. وقد ابتعدت مصر عن المونديال كثيرا واقتربت من المونديال كثيرا..

** هيكتور كوبر يبدأ المباراة بتشكيل هجومى. والفريق يهاجم.. فالهدف من تلك المباراة يفرض هذا التكتيك الذى كان تخليا نسبيا عن فلسفة المدرب الأرجنتينى الحذرة. وهذا ما عكسه تشكيل ضربة البداية. ولكن كانت المفاجأة أن منتخب الكونغو يدافع بتنظيم مميز، ويلعب بروح قتالية ورياضية رفيعة المستوى تجسد قيم الرياضة والمنافسة وذلك على الرغم من احتلاله المركز الأخير فى المجموعة، ولا يملك سوى نقطة.. وظن البعض أن اللعب بشرف من جانب منتخب الكونغو كان يعنى أنه حضر إلى برج العرب كى يحرم الفراعنة من التأهل. ولم يكن ذلك صحيحا أبدا..!

الاستحواذ لم يترجم إلى أهداف.. وأهدر المنتخب الفرص. وأهدر أيضا منتخب الكونغو الفرص ومنها فرصة تصدى لها الحضرى بسرعة رد فعل شاب فى العشرين.. لاعبو المنتخب يبذلون جهدا خارقا ويلعبون بروح قتالية.

** انتهى الشوط الأول بالتعادل.. استمرت المحاولات المصرية. واستمرت الاستحكامات الكونغولية.. أخذ كوبر يجرى تغييراته. كان أهمها الدفع بتريزيجيه بدلا من صالح جمعة.. ثم فى الدقيقة 63 أرسل الننى كرة خلف مدافعى المنتخب الكونغولى لتصطدم برأس أحد المدافعين وتصل إلى صلاح وبسرعته الفائقة فى المسافات القصيرة، كأنه يجرى فوق عجل، كما يقول عنه مدربه يورجين كلوب، يسجل صلاح لحظة خروج الحارس من مرماه، وهو بارع فى ذلك.. فمعظم أهدافه التى يحرزها من مسافات قريبة من المرمى هى من إنتاج قرار فى اللحظة الأخيرة، لحظة لا يستطيع الحارس فيها التصرف..

** هدف.. هدف.. صراخ فى المدرجات.. وصراخ الأندية.. وصراخ فى حجرات الاستوديو.. وصراخ فى المقاهى والمنازل. وصراخ فى الشوارع.. بكى المشاهدون من الفرحة.. بكى كثيرون لأن الهدف ولد من بطن لحظات أوشك خلالها اليأس أن يطل على برج العرب.. لكن كرة القدم فيها سيناريوهات لاتصدق.. تكتبها الأقدام وصراع الأقدام.. فقد تخلى منتخب الكونغو عن دفاعه، وهاجم بقوة، وسجل هدف التعادل فى الدقيقة 87 عن طريق أرنولد بوكا موتو، عندما لعبت كرة عرضية من الجانب الأيمن، وهى الجبهة التى يتميز بها منتخب الكونغو منذ بدأ تلك التصفيات، وقابل موتو الكرة العرضية وحولها لمرمى الحضرى.. لنسمع صوت الصمت فى المدرجات.. وصوت الصمت فى الشوارع والمقاهى والميادين.. و.. وتجرى الدموع فى العيون فكيف سرق موتو فرحة ملايين المصريين فى لحظة؟

** أخذت أفكر فى ضوء شمعة فى نهاية النفق.. الأقدار منحت المنتخب فرصة ثانية.. وهى الفوز على غانا فى أكرا عند مواجهتها فى نهاية التصفيات.. لابد من الفوز هناك.. ولكن فى تلك اللحظات التى كنت مسافرا فيها إلى مقر النجوم السوداء كان رجال المنتخب الأشداء يقاتلون بالمعنى الحرفى للقتال فى كل أرجاء الملعب.. وحين أعلن حكم المباراة الرابع عن الوقت الإضافى، عاد إلينا الأمل. وبالفعل فى الدقيقة 94.. اخترق تريزيجيه دفاعات الكونغو وفاز بضربة جزاء تصدى لها «الناصر محمد صلاح الدين» بهدوء أعصاب على الرغم من أنها ركلة السفر إلى روسيا أو ركلة التوجه إلى مطار أكرا بأمل حجز تذاكر السفر إلى روسيا من هناك.. وهذا إن كانت التذاكر متاحة..!

** سجل محمد صلاح هدف الفوز والسفر إلى روسيا.. بكى المشاهدون فرحا، وبهجة، وهم لا يصدقون تلك الدراما المثيرة التى صيغت بها رواية مباراة الكونغو..!

*نقلاً عن الشروق المصرية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.