يحسب لبلدان الخليج منذ السبعينيات التفكير بأهمية بناء خطاب إعلامي عابر للقارات، تحسباً لصراعات محتملة يكون الإعلام رأس الحربة فيها، خاصة بعدما احترقت أوراق "إعلام أحمد سعيد" وأحرقت معها سمعة الإعلام الرسمي في الشارع العربي.. وباتت السعودية أول المبادرين حين تم إنشاء صحيفة "عرب نيوز" منتصف السبعينيات، وهي التي كانت نواة لإمبراطورية إعلامية مؤثرة على مستوى العالم، وفي عام 1976 تم في الرياض إنشاء المؤسسة العربية للاتصالات الفضائية "عرب سات" صاحبة الحق الحصري في البث فوق بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بما تمتلكه من شرعية مصدرها الاتفاقيات الموقعة في الجامعة العربية.

خلال عقد التسعينيات أصبح "عرب سات" عرّاب البث الفضائي لمئات القنوات الرسمية والتجارية، ما قاد بعض الأنظمة في المنطقة للتفكير بالخلاص من الاعتماد على "عرب سات" لممارسة العربدة السياسية في الفضاء بحرية أكبر.. كانت قطر أول من بادر إلى هذا من خلال تجهيز القمر الصناعي "سهيل سات"، غير أن تحويل الأطباق الموجهة إلى القمر العربي يحتاج إلى عرض ما لا يعرض هناك، قبل أن تأتي فكرة السيطرة على بث "جميع" الأحداث الرياضية الرئيسية وليس "بعضها" تمهيداً للبث على "عرب سات" أولاً للحصول على الحقوق باستخدام شرعية المؤسسة العربية ثم التوقف تماماً بعدها، ومطالبة المشاهدين بالتحول إلى "سهيل سات"، وهو مخطط غايته السيطرة على مصادر البث الأكثر شعبية في المنطقة وجعل القنوات الرسمية العربية تحت رحمتها مستقبلاً!.

وأثار الإعلام المصري خلال الشهر الماضي، قضية البلاغ الذي وصل إلى النائب العام ضد مدير قنوات "بي إن" ناصر الخليفي، بداعي الاحتكار والإخلال بشروط المنافسة في السوق المحلية، على خلفية قيام المجموعة القطرية بالطلب من مشاهديها في مصر تحويل الأطباق اللاقطة تمهيداً لإيقاف البث على قمر "نايل سات"، وهذا ضرر من أضرار كثيرة تسببت فيها منظومة قطر الإعلامية.

ما حدث في مصر سينتقل غالباً إلى بقية الدول العربية، والأرجح أن مكتب المدعي العام السويسري سيستقبل بلاغات كثيرة ضد "فيفا" لأن هذه المنظمة تخضع لأحكام القانون في سويسرا، والدعوى القضائية دائماً تتحدث عن شرعية عقد "فيفا" مع الجزيرة، تمهيداً لفتح تحقيق بشأن شرعية حصول هذه القناة على ترخيص البث واحتكاره في 22 دولة عربية. خاصة أن خروج هذه القناة من البث على أقمار شركة "عرب سات" يلغي شرعية حصولها على مليارات الدولارات سنوياً من عائدات الإعلانات والاشتراكات في الدول العربية!.. وغالباً سيكون "فيفا" في موقف لا يحسد عليه، إلا أن تكون شبكة ART حصلت سابقاً بطريقة أو بأخرى، على تفويض من اتحاد إذاعات الدول العربية بشراء حقوق البث من الاتحاد الدولي، ثم باعته إلى ناصر الخليفي وعصابته ضمن صفقة استحواذهم على شبكة راديو وتليفزيون العرب، ففي هذه الحالة يتوجب على أكثر من 300 مليون عربي توجيه أطباقهم اللاقطة "بهدوء" إلى قمر "سهيل سات" حتى العام 2030، لأن القانون في كل مكان لا يحمي المغفلين!.

عموماً في حال استمرت هذه الممارسات القطرية دون إيقافها، سيستمر المخطط إلى مرحلة النجاح التام، وستبحث القنوات الرسمية العربية عن مكان لها في "سهيل سات" وفق الشروط القطرية، فضلاً عن خسائر بمليارات الدولارات بسبب عائدات الاشتراكات والإعلانات التي تجنيها قطر من الأسواق المحلية.. ويبقى مفهوم كرة القدم لدى المسؤولين والمثقفين في العالم العربي بحاجة إلى إعادة نظر، لأنه في الوقت الراهن لا يتخطى مفهوم الترفيه، بينما في أوروبا مثلاً يدرك رجل الشارع البسيط أنه خليط من الإعلام والسياسة والمال والترفيه والتسويق، لاعتبار أن كرة القدم صناعة يشاهدها ويستفيد منها ملايين البشر المنتمين إلى مجتمعات حقيقية وليست افتراضية كما يظن أصحاب "الغليون"!.

*نقلاً عن الرياضية السعودية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.