أبدا لم يساورني شك في أن الفريق الوطني وجد في هيرفي رونار الدهاء التكتيكي الذي تحتاجه المباريات المصيرية، والبراعة في تحفيز اللاعبين لكي يمضوا بلا موانع وبلا أوجاع إلى أبعد مدى في التعبير عن ممكناتهم الجماعية قبل الفردية.
أبدا لم ينتابني قلق من أن هيرفي رونار سيتمكن من قطع الخطوة التي تفصل أسود الأطلس عن مصالحة المونديال، وقد إحتفظت ذاكرتي بما قاله لي شخصيا في حوار سبق بأيام مباراة السداسية أمام نسور مالي، من أنه يتمنى أن يصل إلى مباراة أبيدجان الختامية والفريق الوطني ما زال في السباق نحو بطاقة المونديال، فقد كانت للرجل ثقة ما بعدها ثقة بقدرته على صياغة المنظومة التكتيكية التي سينجح الأسود بتنزيلها التنزيل الصحيح في ترويض الأفيال.
أبدا لم تهتز ثقتنا في أن الفريق الوطني بات يملك المقومات الضرورية ليعلن نفسه واحدا من أبرز سادة الكرة الإفريقية، إلا أنه كان لابد من انتظار المباراة نفسها، لنعرف لها هوية في ظل ما أحاط بها من خصوصيات إلترا رياضية، والحقيقة أننا سنكتشف أن بملعب فليكس هوفويت بوانيي، الشخصية النافذة والقوية والمؤثرة للفريق الوطني.
لم يحد رونار عن التشكيل الثابت وأخلص بذلك للنواة الصلبة وأيضا للحمة التي باتت تربط اللاعبين في ما بينهم، ولكنه في مقابل ذلك وضعنا في صورة النهج التكتيكي الثوري الذي لا يشجع على الفتح الساذج للعب ولا يشجع أيضا على الإنطواء على النفس واللعب بخطوط متأخرة للعيش لدقائق كأنها الدهر تحت رحمة المنافس يقصف وينسف، لنكون لأول مرة منذ عقود أمام فريق وطني يقول لمنافسه من أول دقيقة، «أنا لم آت بحثا عن نقطة التعادل، أنا آت لهزمك على أرضك»، وقد قلت أن منتخب الغابون كان مصدر إلهام لنا يوم تمكن من إسقاط الفيلة بأرضهم وهو الذي كان قبل أربعة أيام قد لدغ منهم في معقله.
كانت هناك درجة توفيق عالية، والفريق الوطني يتمكن في الثلاثين دقيقة الأولى من أن يتقدم بهدفي درار وبنعطية، لينال بدرجة كبيرة من حماس وشغف الأفيال، وليقدم لنفسه أحزمة الأمان التي ساعدته على تدبير ساعة من اللعب، إذ برغم أن هوامش الخطأ إتسعت، إلا أن الفريق الوطني لم ينزل يديه وسار بالمباراة إلى المرافئ التي يشتهيها لتنتهي فصولها ومرماه نظيفة.
لقد نطقت المباراة بكثير من الحقائق الرياضية والعلمية التي لا مكان فيها للحظ أو للصدفة، ولعلها نطقت أيضا بكل المعطيات الفنية والرقمية التي إستندنا عليها في تحاليلنا للقول بأن الفريق الوطني ذاهب لمقارعة الأفيال وهو يملك الكثير من المفاتيح السرية للكشف عن النهاية السعيدة، إلا أن الحقيقة الأقوى، هي أن الفريق الوطني بحماس لاعبيه وبسند جماهيره وبالتعبئة القصوى التي أعلنتها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، كان يحتكم لمدرب تجمعت فيه أشياء تفرقت في غيره، الكاريزما والقدرة على التأثير وتلقيح اللاعبين بسعار الفوز والقراءة الجيدة للفريق المنافس، وفي هذا كله يحسب لرونار أنه أعطى للفريق الوطني شخصية وهوية وعنوانا وهيبة ترتعد لها اليوم فرائس المنافسين.
أنا أقول بكامل التجرد، أن الفريق الوطني وهو ينال بعلامة الإستحقاق الكاملة تذكرة المونديال، قدم بكوت ديفوار المباراة التي يجب أن تكون له مرجعا، المباراة التي يجب أن تكون دليلنا للنجاحات المستقبلية، فما أفرزته المباراة من روح إنتصارية ومن روح جماعية، يمكن أن يصير دليلا وسندا للأسود ليسيروا في طريق الإنجازات والألقاب جيلا بعد جيل.

*نقلاً عن المنتخب المغربية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.