مذبحة الماراكانا

ضياء الدين علي

نشر في: آخر تحديث:

كانت ترشيحات معظم المحللين قبل المباراة النهائية لبطولة القارات تصب في خانة المنتخب الإسباني، وكان لذلك أسباب عدة أهمها سطوة الكرة الإسبانية التي تعيش أوج مجدها بالفوز ببطولة أوروبا مرتين (2008 و2012) وبطولة العالم ،2010 علاوة على أن المنتخب قبلها لم يخسر 29 مباراة لعبها على التوالي، وكل هذه الترشيحات مع كامل الاحترام والتقدير لها، لا أدري كيف تجاهلت قوة المنتخب البرازيلي في الوقت الراهن، وكيف تناست تاريخه وإرثه المترع بالألقاب العالمية، والأهم من هذا كله الظرف والمناخ الحالي للمباراة في بطولة مقامة في “ريو”، وفي استاد الماراكانا الأسطوري الذي احتشد فيه قرابة 80 ألف متفرج، فهذه الحالة الظرفية أفردت لها المقال السابق بالكامل، واعتبرتها المحفز الرئيس لتحقيق الفوز بالنسبة إلى السحرة، بغض النظر عن القوة والحضور والراحة الزائدة ومهمة الدفاع عن اللقب القاري .

بالشكل والمضمون وبالثلاثية النظيفة لا يمكن وصف المحصلة إلا ب “مذبحة الماراكانا”، فالمنتخب الكبير خسر بنتيجة كبرى، وكان من الوارد أن تكون الخسارة أفدح لو تم استثمار الفرص الأخرى التي أفسدها كل من نيمار وجو بالأنانية والطمع في المجد الشخصي .

لعب المنتخب البرازيلي بقوة وجدية وصرامة وصلت إلى حد الخشونة أحياناً، وهذه حالة لم نعهدها فيه من قبل، ولكن من الواضح أنها حققت مفعولها وصنعت حالة من المناعة والوقاية المبكرة، وتحلى جميع اللاعبين بلياقة عالية فاقت طاقة الماتادور الإسباني، الذي بدا أنه تأثر كثيراً بفارق يوم الراحة، والمباراة الماراثونية المرهقة التي جمعته مع نظيره الإيطالي في الدور قبل النهائي والتي لم تحسمها إلا الركلة السابعة في ضربات الترجيح .

واللافت للنظر أن فرقة سكولاري أنهت المباراة بالقوة نفسها التي بدأت بها، مع أن الأسلوب الضاغط الذي اعتمدته من الصعب على أي فريق في العالم أن ينفذه طوال ال 90 دقيقة كما حدث، ولكن لأن الأسباب المحفزة حاضرة، والجمهور الرائع حاضر، والسحرة حاضرون بكل سحرهم القديم، كان المستحيل ممكناً واللقب مضموناً .

وبالطبع لا يمكن لظروف أياً كانت وطأتها وقسوتها أو إغرائها وسحرها أن تحفز فريقاً ما، لو لم يكن ذاك الفريق يتمتع بإمكانات تترجم كل هذه الشحنات الانفعالية إلى طاقة خلاقة في الملعب، والتاريخ الكروي حافل بالتجارب التي دفعت فيها الظروف في اتجاه، بينما كانت المحصلة في الاتجاه الآخر بسبب قلة الحيلة فنياً وبدنياً، فالمنتخب البرازيلي كان بالفعل في أحسن حالاته، وكان على مستوى أهمية المباراة وتحدياتها الصعبة، التي هوّن الفوز بها على شعب البلد معاناته النفسية ومظاهراته الاحتجاجية على الغلاء والفقر والظروف الاجتماعية، عوضاً عن تقديم المبرر العملاني لحكومة بدت متهورة كثيراً عندما بادرت لاستضافة ثلاث دورات عالمية مهمة في غضون 6 سنوات: بطولة القارات ،2013 وبطولة العالم ،2014 ودورة الألعاب الأولمبية ،2016 حيث إنها رغم انتسابها إلى العالم الأول كروياً، تنتمي بامتياز إلى دول العالم الثالث اقتصادياً واجتماعياً، ولنا أن نرصد كيف يمكن لكرة القدم بالذات أن تقيم جسراً قوياً بين هذين العالمين في لحظة فارقة .

نقلاً عن "دار الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.