الكرة.. والانتماء الوطنى

وحيد عبد المجيد

نشر في: آخر تحديث:

تُعد كرة القدم أكثر الألعاب الرياضية تأثيرا فى ثقافة المجتمعات، وتأثرا بها، فى آن معاً. ولذلك يثير التحول الكبير الذى جعل كرة القدم صناعة وتجارة، وحولها إلى بيزنس فى الوقت الذى بلغت عولمتها مستوى لا مثيل له فى أى نشاط إنسانى آخر، سؤالاً عن أثر هذا التحول فى الثقافة الوطنية.

وقد أُثير هذا السؤال مجدداً بمناسبة القرار الذى أصدره محافظ بيروت بحظر رفع أعلام أى دولة مشاركة فى المونديال. منطوق القرار يُظهر مدى أهمية السؤال: (تعود عدد كبير من المواطنين رفع أعلام بعض الدول الأجنبية المشاركة فى مباريات المونديال فى مواسم سابقة على واجهات المنازل وأعمدة الإنارة بالمخالفة للقانون الذى يحظر رفع أى علم غير العلم اللبنانى فى أراضى الجمهورية).

وليست بيروت، أو لبنان، وحدها التى حدث فيها ذلك. كما أن رفع الأعلام لا يقتصر على المنازل والأعمدة، إذ يضعها مشجعون فى كثير من البلدان على سياراتهم، أو يحملونها فى أيديهم. فقد انتشرت ظاهرة تشجيع مواطنى بلد غير مشارك فى المونديال منتخبات بلدان أخرى. وأصبحت ظاهرة عالمية يمكن اعتبارها أحد تجليات المدى البعيد الذى بلغته عولمة كرة القدم و«بزنستها» على نحو يحفز أعداداً متزايدة من الناس فى أنحاء العالم إلى التصرف بطريقة مختلفة عن ذى قبل نظراً لحدوث تغير فى ثقافة المجتمعات. والملاحظ أن هذا التغير أوسع من تشجيع مواطنى بلد منتخب بلد آخر تتجه أعداد متزايدة من محبى كرة القدم إلى تشجيع فرق أندية أجنبية، والتعصب لها أحياناً. وفى مصر، على سبيل المثال، ازداد مشجعو فريقى برشلونة وريال مدريد بشكل مطرد فى السنوات الأخيرة، قبل أن يستحوذ فريق ليفربول على قلوب كثيرين نتيجة تألق محمد صلاح فى صفوفه.

ويحدث مثل ذلك فى عدد متزايد من بلدان العالم. كما يقل الاهتمام بالمسابقات المحلية ويزداد الاتجاه إلى مشاهدة نظيراتها فى بلدان أخرى، لأن المباريات فيها أكثر جاذبية، والكرة أكثر جمالاً. وتحتل مسابقات الدورى فى إسبانيا وإنجلترا موقع الصدارة لدى محبى كرة القدم فى العالم.

ورغم أن هذه ظاهرة جديدة، فهى تتطور بمعدلات سريعة، على نحو يفرض وضعها على جدول أعمال البحث العلمى سعياً إلى قياس أثرها فى الانتماء الوطنى.

*نقلاً عن الأهرام المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.