مصر والجزائر ما بعد صفارة الحكم.. حتى لا «نشوط» التاريخ لصالح المتعصبين

أكرم القصاص

نشر في: آخر تحديث:

أجلت الكتابة فى هذا الموضوع الدقيق لما بعد انتهاء بطولة كأس الأمم الأفريقية، وإن كان الموضوع يرتبط بواحدة من القضايا التى تتعلق بصناعة أزمة من لا شىء وتوظيف السوشيال ميديا فى صناعة حرب بين الشعبين المصرى والجزائرى، وبينهما روابط من التاريخ المشترك القريب الذى يتجاوز هذا الجدل السطحى حول مباراة او كرة.

كنت واحدا ممن تصدوا للحرب الكروية قبل 9 سنوات وغذتها مشاعر الغوغاء من الطرفين، ووصلت إلى حد إهانة الشهداء والدماء والمواقف المشتركة التى تتجاوز أى مباراة أو منافسة فى رياضة أساسها الانحياز الأعمى والتعصب الخالى من العقل.

خلال الأسبوع الماضى لعبت السوشيال ميديا دورا فى صناعة حرب تلاسن، عن طريق بوستات منسوبة لمشجعين جزائريين تحمل تحريضا أو استهانة على طريقة «سنغزوكم، ولا نريد تشجيعكم» وهى بوستات مصاغة بتعمد وبعضها مجهول الهوية يصعب التأكد منه، ويلعب دورا فى إثارة رد فعل عاطفى لا يخلو من خشونة تجاه الجزائر، تجاه فعل مشكوك فى مصدره وصدقه، ولا يمثل موقف أغلبية الشعب الجزائرى الشقيق، أو يمثل عددا من متعصبين يفسدون المناسبات الرياضية حتى فى بلادهم.

وكمثال لافتعال الأزمات يأتى تصريح المدير الفنى للجزائر جمال بلماضى عندما وجه له أحدهم سؤالا حول تشجيع الجمهور المصرى للمنتخب الجزائرى أمام السنغال و»رد فى كل الأحوال، سنلعب المباراة النهائية، سواء فى حالة حضور جماهير مصر فأهلا وسهلا بها، وفى حالة عدم تواجدها فهناك جماهيرنا تدعمنا»، وتم تأويل التصريح ليصبح لا نريد جمهور مصر، ورد بعض المصريين بتعليقات منفعلة، توجيه السؤال كان أقرب لفخ يفتح بابا للجدل والإثارة، وكان يمكن تجاوزه ببعض الوعى.

واضح منذ بداية البطولة، أن هناك محاولات لإفساد التنظيم الحضارى لبطولة «كأس الأمم»، والجهد المبذول فى إنجاز الاستعدادات والتنظيم بشكل لائق، وحتى لو كان فريقنا خرج مبكرا، فقد كسبنا مظهرا وتنظيما محترما، يساهم فى تنشيط سياحى وحضارى لصالح مصر.

ويبدو أنه لهذا السبب بدأت مبكرا محاولات إهالة تراب على هذا الحدث، من خلال توظيف وحشر اسم لاعب سابق، لأهداف دعائية وليس حبا فى هذا اللاعب، أو المبالغة فى تحويل الانتقادات لمنتخبنا إلى محاولة هدم، وحملة متجاوزة ضد النجم محمد صلاح، بشكل بدا الهدف منه ليس التقويم ولكن نشر اليأس والغضب وهى محاولات باءت بالفشل بسبب وعى كبير تجاه أمراض «السوشيال ميديا»، وتحويلها إلى أدوات اغتيال معنوى، وتحريض متطرف، وفشلت لتبدأ محطة جديدة للإفساد من خلال إشعال حرب نفسية ودعائية ببوستات مجهولة غوغائية لا تمثل الجزائريين ولا المصريين.

كرة القدم ليست مجالا لاختبار الولاء والوطنية، لكن مجرد نشاط رياضى يقوم على الانحياز والعواطف، ولا علاقة له بالعقل والمنطق، ولا أن يشجع جمهور ما، أيا من فريقين متنافسين، والجزائر دولة أفريقية عربية بيننا وبينها تاريخ مشترك، والسنغال دولة أفريقية بيننا وبينها تاريخ، مصر ساندت ثورة الاستقلال الجزائرية، والجزائر ساندت مصر فى حرب أكتوبر بالمال وحارب جزائريون مع أشقائهم المصريين، وهو تاريخ يتعالى على مباراة كرة تنتهى بصفارة الحكم.

ولا ملامة على من يشجع هنا أو هناك، بشرط أن يتم هذا بشكل طبيعى، ونحن لدينا مشجعون ينحازون لبرشلونة أو ريال مدريد، وأصبح ليفربول ناديا شعبيا فى مصر لوجود محمد صلاح، فى ظل عولمة كروية، والتشجيع والانحياز لا يقاس بالعقل والمنطق، شرط أن يكون بناء على قناعات وليس كرد فعل على حملات وبوستات ومواقف افتراضية لا يمكن التحقق من مصدرها ولا من حسن نيتها.

الكرة ليست مجالا لاختبار العلاقات السياسية، لكنها تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مجال للتلاعب والتحريض والادعاءات، حيث تصر التنظيمات المتطرفة سياسيا على توظيف أى مناسبة حتى لو كانت الرياضة لصنع أزمة أو صراع يفسد البطولة، وعند تفاعل التعصب الكروى مع التطرف السياسى أو الدينى نصبح أمام حالة من الخلل العقلى وليس أمام جدل سياسى يمكن مناقشته بالعقل.

*نقلاً عن اليوم السابع المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.