ما بين الفتح وأولمبيك ليون

بدر الدين الإدريسي

نشر في: آخر تحديث:

فاتنا تحت ضغط الأحداث، أن نمعن النظر ونعمق القراءة، في حيثيات وتفاصيل الشراكة التي باتت تربط منذ شهر نونبر الماضي اتحاد الفتح الرياضي بأحد أعرق وأكبر الأندية الفرنسية والأوروبية، أولمبيك ليون، الذي حقق رقما تاريخيا بتتويجه بأول سبعة ألقاب له على مستوى البطولة الفرنسية بشكل متتالي ما بين 2002 و2008، ويوجد بخزينته 5 ألقاب لكأس فرنسا.
شراكة تؤسس لنمط جديد وغير تقليدي للجسور التي تربطها الأندية الرياضية في ما بينها تحقيقا لمبدإ رابح – رابح، فما أطلعت عليه في مضمون الشراكة بين الفتح وأولمبيك ليون، يقول بأن التعهدات المتقاسمة بين الناديين معا لا تحتمل وجود بنود غير قابلة للتنفيذ، والمؤكد أن من يعرف جون ميشيل أولاس، الرئيس الأسطوري لأولمبيك ليون، بما أبدعه من نمط تدبيري حديث، استطاع أن يقاوم به المؤسسات التي لها حضور وازن في «إمبراطورية المال» والتي اشترت أندية فرنسية، وبما يمثله من قيمة عالية في المشهد الكروي الفرنسي، يمكنه أن يدرك أن أولمبيك ليون لا يرمي بالشراكات على عواهنها، ولا يقبل أبدا أن يتحالف مع شركاء لا يدورون في فلكه ولا يفيدونه بشيء، وبالتالي عندما قرر أن يجعل من الفتح الرباطي حليفا فإنه قتل ذلك بحثا، ووصل لدرجة متقدمة من الإقتناع بأن هذا التحالف سيعود بالنفع على الطرفين معا.
كثيرة هي الشراكات التي ولدت عاطفيا تحت تأثير مناخات ودية ساخنة، تملأها المجاملات، ولأنها لم تتأسس على دراسة رياضية وعلمية لدراسة وتحديد الجدوى، فإنها تبخرت مع الأيام، بل منها ما مات في المهد، لذلك تشدني إليها الشراكة المبرمة بين الفتح الرباطي وأولمبيك ليون، بالخيوط الرفيعة التي أمسكت بها وبكل التعهدات المتقاسمة بين الناديين، لأقول بأنها شراكة يمكن أن تصبح مرجعا للشراكات التي ستنسج الأندية الوطنية مستقبلا على منوالها، فالأمر لا يقف عند مجرد إعطاء النادي الأوروبي الأفضلية في التعاقد مع اللاعبين، ولكنه يتعداه إلى نقل الخبرات واستلهام عناصر النجاح، عند تكوين لاعبين من مستويات عالية يستطيعون اللعب بسهولة في البطولات الأوروبية، اعتمادا أولا على متاعهم التقني ومواهبهم المكتسبة، واعتمادا ثانيا على التكوين العلمي الذي خضعوا له، ولا أحد يمكن أن يجادل في رقي فلسفة التكوين بفرنسا وفي كون أولمبيك ليون من الأكاديميات الحاصلة على علامة التميز والنبوغ في مجال تكوين اللاعبين، فمن هذا الفريق خرج النجم الكبير والهداف التاريخي لريال مدريد كريم بنزيمة، ومن مركز تكوينه طلع المدافع الدولي ومدافع نادي برشلونة صامويل أومتيتي والمهاجم الخلاق لمنتخب فرنسا وأرسنال الإنجليزي ألكسندر لاكازيت ومن ضلوعه خرج العشرات من اللاعبين الذين يجولون اليوم بين الأندية الأوروبية بمختلف مقاساتها وأحجامها.
هذه المقاربة المتفردة لأولمبيك ليون في مجال التكوين، سينقلها إلى أكاديمية الفتح الرباطي مؤطرون يسهرون على أكاديمية الفريق الفرنسي، عبر دورات تتواصل على مدار السنة، تنظم لمدة خمسة أيام من كل شهر وتكون لها طبيعة استكشافية أيضا، لطالما أن خبراء أولمبيك ليون سيجردون الأسماء المرشحة داخل أكاديمية الفتح للعب بالمستويات العالية، لمتابعة هامش التطور عندها بهدف تحضيرها للإنتقال إما إلى البطولة الفرنسية من خلال أولمبيك ليون، أو إلى أي من البطولات الأوروبية التي توجد فيها أندية شريكة لأولمبيك ليون كلما بلغت من العمر 19 سنة، وطبعا هناك آلية جرى الإتفاق عليها بخصوص الأمور التعاقدية.
أعرف أن أندية وطنية غير الفتح ترتبط بشراكات مع أندية أوروبية، وأعرف أن هناك تفاوتات كبيرة بين هذه الأندية في تدبير هذه الشراكات بسبب ضعف الإرادة أو لغياب البنى التحتية التي ترفع نسبة نجاح هذه الشراكات وتحقيقها للأهداف المرجوة، إلا أن إجماعنا اليوم على ضرورة خلق منظومة جديدة للتكوين تتجاوب حتما مع المحددات الكبرى للتكوين الإحترافي أو تكوين المستوى العالي، وتحتفظ لكرة القدم المغربية بخصوصياتها الفنية التي كانت لها على الدوام مصدرا للتميز قاريا، يدفع إلى جعل أي شراكة مع المدارس الكروية الكبرى بأوروبا، تمتح من مضمون الشراكة المفعلة اليوم بين الفتح الرباطي وأولمبيك ليون، مع ما يملأنا يقينا، من أن هذه الشراكات لا تنجح إلا إذا كانت هناك عدالة وتساو في توزيع المنافع، وإلا إذا كانت أنديتنا تحتكم إلى أكاديميات رياضية، تستطيع أن تكون أرضية لإنجاح وتخصيب جانب التكوين الذي هو القلب النابض لهذه الشراكات.

*نقلا عن المنتخب المغربية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.