عاجل

البث المباشر

خلف الحربي

إعلامي سعودي

إعلامي سعودي

هل (الأمن والأمان) نكتة !

على طريقة الشيخ القرضاوي في الاعتراف بسوء التقدير، أعترف بأنني كنت واحدا من ضمن الكثيرين الذين كانت تستفزهم عبارة (نعمة الأمن والأمان)؛ لأنها تأتي أحيانا في سياق وأد الإصلاحات، أو يتم وضعها في كفة تختلف عن كفة الحريات، فأنا مؤمن بمقولة أنه لا أمن بلا حرية ولا حرية بلا أمن، ولكن ما يحدث اليوم في الكثير من بلدان العالم العربي، وخصوصا في سوريا والعراق من صراعات طائفية متوحشة وغياب كامل للقانون يجعلني أعيد النظر بهذه العبارة التي تعتبر اليوم أهم ما تملكه المملكة ودول الخليج، بل إنها الثروة الحقيقية لهذه الدول وليس البترول، فالعراقيون ــ على سبيل المثال ــ لا يستطيعون الاستفادة من ثروتهم النفطية بعد أن غاب الأمن والأمان وحضرت الفتنة الطائفية!.
نحن لسنا محصنين أبدا من الفتنة الطائفية، فما يحدث في سوريا يغذي الاستقطاب الطائفي في بلداننا، وثمة قوى دولية وإقليمية يهمها أن يمتد الحريق الطائفي حتى يصل إلى هذه المناطق الآمنة، إما لتخفيف الضغط عن مناطق الصراع الحالية، أو كي تأخذ مشاريع التقسيم فرصتها في التوسع، ومن المؤسف أن عددا لا بأس به من تجار الطائفية في ديارنا يحاولون استغلال مكانتهم الدينية لشحن الشباب من الطائفتين؛ من أجل الوصول إلى نقطة الصدام الطائفي التي لن يستفيد منها إلا تجار الفتنة الذين سيتحولون إلى زعماء على حساب أشلاء الضحايا، وكذلك القوى الإقليمية التي يهمها ضرب الاستقرار والسلم الأهلي الذي يعتبر سمة لهذه المنطقة منذ عشرات السنين.
المسؤولية تقع على عاتق الجميع: الحكومات والنخب والمثقفين، فالمشهد الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط اليوم يؤكد صعوبة النجاة من هذه الحرائق الطائفية ما لم يتوفر الوعي عند جميع الأطراف بأهمية التعايش بين السنة والشيعة في ديارنا، هذا التنوع كان موجودا منذ أيام الآباء والأجداد، وقد عاشوا حياتهم بسلام دون أن يسعى طرف لمحو الآخر من الخارطة الاجتماعية، ومن العار أن يفرط الأحفاد الذين يدعون أنهم أكثر وعيا وثقافة من أجدادهم بنعمة التعايش والأمن والأمان.
وسواء كنا سنة أم شيعة، فإن في حياة الكثيرين منا أصدقاء وزملاء وجيرانا وأخوة من الطائفة الأخرى ندرك في قرارة أنفسنا أنهم لا يمكن أن يكونوا أعداء، أحيانا نكذب على أنفسنا ونقول: إننا لا نقصد هؤلاء، بل نقصد (الطائفيين) منهم!، وهنا نصنع كائنا افتراضيا في داخلنا سرعان ما يتحول إلى شبح عملاق يمنعنا من رؤية وجوه هؤلاء الأشخاص الذين نحبهم ونحترمهم، فلا يبقى أمامنا إلا وجه الشبح الشرير، فيدخل تجار الطائفية على الخط فنسير خلفهم في دروب الموت والضياع ونحن نتوهم أننا كنا مضطرين لذلك!.
نعمة الأمن والأمان ليست نكتة، فالسني والشيعي في السعودية وسائر دول مجلس التعاون الخليجي يعيش اليوم حياة لا يمكن مقارنتها بحياة المنتمين إلى الطائفة ذاتها في العراق وسوريا ولبنان، ومن الجنون أن يفرط بكل ذلك من أجل تجار الطائفية، ومن الغباء أن يرهن مصير أولاده على طاولة المفاوضات بين إسرائيل وإيران!.

*نقلا عن "عكاظ" السعودية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة