عاجل

البث المباشر

ذِكْرُ الرَّحْمَن

<p>كاتب هندي- رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي</p>

كاتب هندي- رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي

فرنسا والهند.. شراكة صاعدة

أظهرت الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الهند هذا الأسبوع، والتي وقع الجانبان خلالها اتفاقاً للتعاون اللوجيستي في مجال الدفاع، أن فرنسا حريصة على التودد إلى الهند وحتى على أن تحل محل المملكة المتحدة على خلفية خروجها من الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من أن الهند لديها علاقات تقليدية وتاريخية مع المملكة المتحدة، ناهيك عن وجود جالية هندية كبيرة بها، ولكن مع الخروج المنتظر لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي فيما عرف بـ«بريكست»، تبحث الهند عن شريك قوي في أوروبا، ومن الواضح أن فرنسا تريد أن تكون هي المرشحة الأبرز.

وقد ازدادت علاقة الهند بفرنسا عمقاً بشكل مطرد خلال العقدين الماضيين. وعلى العكس من البلدان الأوروبية الأخرى، كانت فرنسا مؤيداً هادئاً وإنْ كان قوياً للهند خلال العامين الماضيين. وبعكس الدول الأخرى أيضاً، كانت فرنسا هي الدولة الغربية الوحيدة التي أيدت وبشكل لا لبس فيه الهند بعد أن أجرت تجاربها النووية في عام 1998، كما أنها رفضت فرض عقوبات على نيودلهي. واستمرت فرنسا في تعزيز علاقة استراتيجية مع الهند، وكانت تدعم الهند في بحثها عن الطاقة النووية لاستخدامها في أغراض مدنية.

واتخذت فرنسا قراراً بعدم بيع فئات بعينها من الأسلحة لباكستان. وفي ظل هذا، كانت الهند حريصة بشكل خاص على تعزيز علاقتها مع فرنسا. وقد وافقت الهند بالفعل على شراء 36 طائرة مقاتلة من طراز «رافال»، على الرغم من الشكوك التي تدور في البلاد بشأن تكلفة هذه الصفقة.

كما وقعت الهند 14 اتفاقية في شتى المجالات عقب المباحثات بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء ناريندرا مودي. وتغطي هذه الاتفاقيات مجالات الطاقة النووية والإنتاج الدفاعي والأمن البحري والفضاء. وفي مجال التعليم، قررت الدولتان الاعتراف بجامعات بعضهما بعضاً، والدرجات العلمية التي تمنحها هذه الجامعات، وهو الأمر الذي من شأنه زيادة أعداد الطلاب القادمين من الهند إلى فرنسا.

وإلى جانب مجالات أخرى من التعاون، وقع الجانبان أيضاً على مشروع الطاقة النووية في مقاطعة «ماهاراتشتر» غربي الهند بمشاركة فرنسية. وقد تم توقيع الاتفاق، الذي تنشئ فرنسا بموجبه ستة مفاعلات نووية، خلال زيارة الرئيس الفرنسي السابق نيكولاس ساركوزي إلى الهند عام 2010. وربما يتمثل أكبر تطور بين البلدين في قرار بالدعم اللوجيستي المتبادل. ولم توقع الهند اتفاقاً مشابهاً على الإطلاق سوى مع الولايات المتحدة. وسيتيح الاتفاق للقوات الهندية والفرنسية استخدام موانئ وقواعد بعضهما البعض في منطقة المحيط الهندي.

أما النتيجة الأخرى المهمة للزيارة فهي أن البلدين أصدرتا «رؤية استراتيجية مشتركة» للتعاون في منطقة المحيط الهندي. والهند، مرة أخرى، لديها وثيقة رؤية من نفس النوع مع الولايات المتحدة فقط. وفي الوقت الذي تحدث فيه الرئيس الفرنسي عن التعاون في مجال الأمن البحري، فإنه يرى أن «المحيطين الهادئ والهندي لا يجب أن يصبحا مناطق قوة مهيمنة، ولذلك، قررت الدولتان بناء شراكة استراتيجية». وتقول الرؤية الاستراتيجية المشتركة للتعاون بين الهند وفرنسا في منطقة المحيط الهندي إن الهند وفرنسا تتقاسمان مخاوف مشتركة بشأن حرية الملاحة في المنطقة وستعالجان التحديات التي تواجه الطيران وتهديد أسلحة الدمار الشامل.

ومن الواضح أن هذا الأمر موجه للصين التي تعمل على زيادة وجودها في منطقة المحيط الهندي ومنخرطة في نزاعات إقليمية مع عدد من البلدان في منطقة بحر الصين الجنوبي. هذا الاتفاق، الذي يغطي مجموعة واسعة من المجالات من «مكافحة الإرهاب البحري والقرصنة» إلى «بناء الوعي بالمجال البحري»، سيعمل على زيادة الخيارات أمام العمليات البحرية الهندية في منطقة الهند والمحيط الهادئ لمواجهة خطر تطويق الصين المحتمل للهند.

وتحرص الهند على جذب الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد بهدف دفع النمو الاقتصادي الذي عانى خلال العامين الماضيين نتيجة لإلغاء أوراق النقد من الفئات الكبيرة. وفي هذا الإطار، يعد حرص نيودلهي على تحقيق زيادة كبيرة في الاستثمار الفرنسي في الهند جزءاً من الجهود المبذولة لدفع النمو الاقتصادي. وهناك بالفعل 750 شركة فرنسية في الهند، وفرنسا تاسع أكبر مستثمر أجنبي في الهند. وعلاوة على ذلك، فإن الدولتين لديهما العديد من القواسم المشتركة الأخرى. ومن بين هذه قضية الإرهاب التي تُعد عاملاً موحِداً للبلدين، حيث كانت كل من الهند وفرنسا هدفاً لهجمات الإرهابيين. وفي حين أن فرنسا تواجه تهديدات من قبل عناصر تنظيم «داعش»، تواجه الهند الإرهاب الذي يتسلل عبر الحدود. وتحمل هجمات باريس أوجه تشابه مع الهجوم على مومباي في عام 2008 حيث شن إرهابيون هجمات على مواقع متعددة بما في ذلك فندق خمس نجوم، ما أسفر عن مقتل 166 شخصاً. وعلى الرغم من ذلك، تأتي زيارة ماكرون في وقت حاسم حيث تتغير الأمور في أوروبا بعد قرار بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي. ومع انشغال المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بعدد من المشاكل الاقتصادية في بلادها، بينما تقوم روسيا بتهدئة شراكتها الاستراتيجية مع الهند وتعزيزها مع الصين، تحاول الهند استكشاف إمكانية ملء هذه الفجوة في العلاقات الدولية عن طريق فرنسا.

نقلاً عن "الاتحاد"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات