.
.
.
.

دولة علمانية بإدارة إسلامية

فهد البصيري

نشر في: آخر تحديث:

في الاسبوع الماضي قرأت بالنيابة عنكم عددا من الكتب العربية وكانت كلها تتكلم عن الاخوان المسلمين والإسلاميين بشكل عام، وهما كتابا (قلب الاخوان ومحاكم التفتيش) - لا يغركم الاسم - وكتاب (سر المعبد) وهما من تأليف (ثروت الخرباوي ) والكتاب الثالث كان كتابا للدكتور اسماعيل الشطي وهو (الاسلاميون وحكم الدولة الحدثية) وهو أيضا عن الإخوان المسلمين وغير الاخوان من المسلمين، ويناقش فيه شكل الدولة الاسلامية المطلوبة والتي تلائم عصرنا الحالي.

والحقيقية التي لا غبار عليها أن هذه الكتب لم تضف الكثير مما يعرفه الناس عن حركة الاخوان المسلمين أو على الأقل بالنسبة لي، فالأستاذ ثروت الخرباوي وبعد أن «خربها» وخرج من الاخوان كتب كتابه الأول (قلب الاخوان) وهو عبارة عن تجربة شخصية له في التنظيم الذي أفنى زهرة شبابه فيه كما يقول، واكتشف وكأنه الزوج المخدوع أنه اسير منظمة حديدية لها صلاحياتها ومحاكمها وضباطها وجنودها، ومشكلة هذا الكتاب انه شبه مقطوع فليس له نهاية أو خلاصة، وفجأة سيحس القارئ أنه خارج الكتاب وعلى قارعة الطريق يؤشر لأول سيارة توصله البيت بعد أن تركه مؤلف الكتاب في الصحراء، ويبدو أن الكتاب حظي بشيء من الاهتمام لأنه يتكلم بجرأة عن بعض أسرار التنظيم ولأنه شاهد من أهلها ومع صعود نجم الاخوان في مصر وعلى إيقاع الهوجة التي ثارت ضدهم الف كتابه الثاني «سر المعبد» واشتريت أنا الكتاب على أمل أن ادخل معه المعبد لأطلع على أسراره، ولكني صدمت بالطريقة التي كتب فيها الكتاب.

ويبدو أن المؤلف استعان بأحد الكتاب الحداثيين أو الغربيين لكتابته، ففي مقدمة كل فصل كان يضع حكمة «يستلفها» من الاساطير الإغريقية مثل ايكارووس وجلجامش و(فيهوبصيروس- أنا -)، وغيرنا من الابطال الاسطوريين، وكل القصة وما فيها أنه اكتشف ان جماعة الاخوان تنظيم وله خلايا منظمة كالأسرة والزمرة، والجماعة ومقسمة على المناطق والمحافظات، كما أن للجماعة قوانينها فهي تثيب وتعاقب وتقيم الحد وأخيرا اتهمهم بالماسونية وأطلق عليهم اسم الاخوة الماسونيين، ويفاجأ ثروت الخرباوي أن من بين الاخوان من يتعامل مع الأمن كمخبر، ضد إخوانه علما بأن ذلك شيء طبيعي في كل جماعة.

وفي النهاية ينطلق الاستاذ المؤلف في رحلة البحث عن الذات أو البحث عن الحل ويقع بالصدفة على شيخ صوفي ورع ينقذه مما هو فيه ويرده إلى جادة الصواب فيتحرر من عالم الإخوان الذي حبسه طيلة شبابه ثم ينتهي الكتاب نهاية غامضة.

وقد عوضني الله من هذا التوهان الذي سببه لي ثروت الخرباوي بكتاب الدكتور اسماعيل الشطي الذي قص فيه لي قصة نشوء الحكم الاسلامي إلى يومنا الحاضر رغم أنني أعرفها فالكتاب يرزح تحت أقدام التاريخ، ويحلل المؤلف في الكتاب سبب عدم قدرة الإسلاميين على إقامة دولة اسلامية على طريقتهم التي يحبذونها أي الخلافة، فهو يرى أنهم لا يستطيعون العيش إلا في ظل خلافة الله يخلف عليهم- ويستمر الشطي في المناقشة ويستعرض تجارب الدول الاسلامية في محاولة تطبيق الشريعة ويبدأ بالخلفاء وينتهي بالعصر الحديث كالنظام الايراني والأفغاني وطالبان وينتهي إلى تركيا.

وفي النهاية ينهار المؤلف تحت تعذيب التجارب التاريخية، ويعترف أنه لا يمكن إقامة دولة اسلامية على نمط الخلافة الراشدة لأن الدنيا محكومة بالغرب ولا يمكن تطبيق بعض القواعد الشرعية كالزكاة والجزية واسقاط الفوائد لأن اقتصاد العالم مترابط، وللأمانة فإن ما توصل له الدكتور اسماعيل جدير بالمناقشة والقراءة فهو ينتهي في نهاية الكتاب إلى حقيقة شجاعة هو أن قيام دولة على نظام الخلفاء الراشدين أو نظام اسلامي هو مستحيل، وقد لخص نتيجته في أن الامل والأمل فقط هو في دول علمانية بإدارة إسلامية، وهو تعبير غريب ولكنه مقبول مبدئيا، وهي نتيجة وصل إليها الكثيرون بشكل أو بأخر... ولكن هل يقتنع الإسلاميون؟

* نقلا عن "الراي" الكويتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.