.
.
.
.

العراق.. عشر سنوات عجاف ومستقبل غامض

صباح ناهي

نشر في: آخر تحديث:

تساؤلات يطرحها كل العقلاء في الغرب ولا أقول الشرق المفجوع، ما جدوى غزو العراق واحتلاله من قبل القوة التي كانت "أحادية القطب" والتي كادت أن تمسك بكل أطراف اللعبة الدولية في حالة فريدة من حالات تطور السياسة الدولية بإقصاء النفوذات الأخرى خلال التسعينيات وتدمير الخصوم أو تهميش أدوارهم وزرع زعامات حليفة في هذا الجزء أو ذاك؟.

ما جدوى أن تدخل دولة عظمى بكل قضها وقضيضها وتأتي بجيوشها، تحت ذريعة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل إلا إنها لم تقو على إثباتها لعشر سنوات خلت، سبقت الغزو، وجهود مضنية من البحث أدت إلى تفكيك بُنية دولة من دول العالم الثالث حاصرتها 13 عاماً واستخدمت أحدث أجهزتها الاستخبارية لمعرفة حقيقة ما يحدث في المصانع العراقية وفي المدارس والمعاهد وأغلقت حتى القسم اليتيم في كلية العلوم في الجامعات العراقية الذي يُدرس علوم الطاقة الذرية وفوائدها المختبرية، وختمت بالشمع الأحمر كل مصانع القوالب الجاهزة وحطمت الصواريخ والقذائف الدفاعية بذريعة التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل، ولم تلقَ شيئا بل تمادت في إذلال تلك الدولة "المارقة" بحجة التفتيش الذي طال حتى بيوت المواطنين والوزراء العراقيين والزعماء، بل وفتشت المساجد ومراقد الأئمة والبساتين والمزارع والمعامل والجامعات ودور العبادة، ولم تفلح في شيء يبرر هجومها على بلد أسمته بالمارق لكنها غزته برغم توكيدات "اللجنة الخاصة" المكلفة دوليا بفحص العراق، والتي واصلت الليل بالنهار لتكشف أخيراً أن العراق خال من أسلحة الدمار الشامل، وهي الدولة التي خاضت حربا ضروسا بمؤازرة جيرانها الأقوياء من الغرب وبدعمهم وحلفائهم في الشرق، لكن إدارة بوش ونخبته المحافظة انتصرت حينها لتصادر من العراق حلم التغيير الداخلي ولتذهب إلى الحرب ونشر الفوضى من خلال أكبر عملية غزو في التاريخ المعاصر، تحت ذرائع واهية تجاوزت كافة الأعراف والقوانين الدولية لعقد من الزمن؟

ويظل السؤال الملح اليوم، بعد عشر سنوات من القتل والتشريد للعراقيين في الغرب قبل الشرق كما أسلفت، ماهي المحصلة وماهي النتيجة التي حصدها ذلك الغزو بعد الاعترافات التي قدمها القادة الأمريكان أنفسهم الذين لم يتوان الكثير من قادتهم ومفكريهم في الإعلان عن فجيعتهم بما خلفته تلك الحرب على بلادهم وعلى اقتصادهم ودهشتهم من مآلات تلك الحرب، ناهيك عن خسائرها البشرية والمالية التي فاقت كل حروب أمريكا بعد الحرب الكونية الثانية، إضافة إلى خذلانهم من قبل حلفاء افتراضيين بين العراقيين قطعوا وعودا لأمريكا بأنهم سينشؤون ديموقراطية مثالية في الشرق الاوسط منطلقها العراق، لكنهم خلصوا إلى أن يتولوا زمام الحكم في البلاد "كأمراء حرب" طائفيين أنتجوا مجتمعا ممزقا في وحدته ومهدداً ببقائه، ولتحتل عاصمتهم المرتبة الأسوأ بكل شيء في العالم؟

أي أنموذج يتحدث عنه المتفائلون من الديموقراطيين الغربيين؟ بعد أن شجعوا احتلال بلد مستقل وعضو مؤسس في الأمم المتحدة تحت بند "فرض الديموقراطية المثالية" في العراق، لكنهم خلصوا إلى مجتمع يحتمي بالطائفة والقبيلة والاثنية ملاذا للبقاء، بعد انهيار مؤسسات الدولة وتراكم فسادها وفئويتها وتأسيس مجتمع محترب بدلا عن مجتمع مدني كان سائدا من قبل، بكل سلبياته فهو نتاج مراحل متواصلة بدأت مع العهد الملكي واستمرت إبان العهد الجمهوري، لاسيما في بنية مؤسساته المدنية والعسكرية التي لم تقم بالأساس على النواة الطائفية ولا على أساس المذهب، بل تدعمه مؤسسة تعليمية نجحت في تكوين طبقة علمية متنورة، كونت تنمية بشرية عراقية مميزة، كانت بحاجة الى الوقت لإحداث تغيير طبيعي ذاتي في مجتمع عاش أجواء "العسكرتاريا" نتيجة للحروب القومية التي خاضها العراق بالنيابة، وأخذ يتحول إلى البنية المحلية، وكان بحاجة ماسة إلى دعم المجتمع الدولي وشراكته الحقيقية كي يتحول إلى مجتمع آخر.

يدعم ذلك جيش وطني يحظى بتاريخ من العمل الوطني تأسس عام 1921، مما يجعله مؤهلا لأحداث التغيير بمؤازرة المجتمع المدني والطبقة الوسطى المتعلمة التي بدأت تتبلور بعد التسعينات، لكن الغزو الأمريكي صرعها وشتتها بهجرة غير مسبوقة قوامها أكثر من 5 ملايين عراقي، من بينهم (400,000) ألف مهاجر إلى أمريكا وحدها.. بُعيد الغزو وضعف هذا الرقم إلى أوربا ناهيك عن البلدان العربية والإفريقية.

لقد أنتج الغزو الأمريكي للعراق مجتمعا مقسماً ومشتت الولاء داخلياً ومهتاجا بعد أن ضرب شرف الاستقلال الوطني وطرقت سبيكة بنائة التي تفاعلت عبر قرون لتشمل "سمة الشخصية الوطنية" العراقية، وقصفت ذاكرة جيل كان يفخر وُيفاخر بمجد بلد حكم العالم خمسة قرون ويقف مزهواً فوق خمس حضارات ومتحف وطني يحتوي على أهم منجزات الفكر البشري، لكن العراقيين استفاقوا في نيسان 2003 بعيد الغزو ليجدونه منهوبا ومهشما، وفتحت أبوابه المحكمة ليدخله غرباء سرقوا إرث بلاد ما بين النهرين وهُرّب اكثر من عشرين ألف قطعة أثرية لا تعوض بكل أموال النفط ولا تبرر بكل ما يقال عن ثمن الحرية الخادعة، وليجد المواطن العراقي نفسه تحت رحمة نيران أجهزة المخابرات الدولية المتقاتلة فوق أحياء العاصمة بغداد وفي شوارعها وتوابعها ومحافظاتها المفجوعة بالحروب الطائفية، ثم ليصحوا على أصوات نشاز تزداد قوة في مناداتها بالتقسيم الطائفي وبانهيار أخلاقيات بنيوية في مؤسسات الدولة، نتيجة لتلك الحروب الطائفية التي تؤلب على الاستحواذ والانتقام من الخصوم وفشل ذريع في أحداث مجتمع ينحو نحو الإعمار والبناء والتنمية والقدرة على تجاوز مآسي الماضي التي خلفتها حروب وسياسات الحكم السابق التي أوصلت الأمور مع المجتمع الدولي إلى الاعتماد على تقييمات مغرضة.

لقد تخطى العراق ومجتمعه المنكوب عشر سنوات عجاف، ودخل في عقد ثان بلا ضمانات قاطعة تكفل بقاءه موحدا، بل أضحى موشك على صراع طائفي خطير تغذيه سياسات داخلية وإقليمية وتدفع باتجاه مفترق طرق أن يكون عراقا موحدا أم "دويلات مدن" متصارعة يلعق دماء أبناءه الذين خرجوا من برزخ "حروب قومية" إلى متاهة "حروب طائفية" تستحضر إرث صراعات موغلة بالقدم تتعكز عليها خطابات أمراء الحرب الجدد، لا أدري إن كان الوطنيون العراقيون قادرين على تجاوز عثرات السنين العشر العجاف التي مرت لينتصروا على أنفسهم أولاً كي يبنوا عراقا جديدا.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.