.
.
.
.

فرنسا وسياسة العضلات..

د. محمد سلمان العبودي

نشر في: آخر تحديث:

لا يعقل ألا تكون حكومة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند قد استعانت بخيرة خبرائها العسكريين والاستراتيجيين والاقتصاديين قبل الدخول في رمال صحراء مالي المتحركة. ومن المستحيل أن تدخل دولة بمكانة وحجم فرنسا في معارك حتى ولو كانت في مواجهة زمرة من الجهاديين دون أن تعرف إلى أين ذاهبة وكيف ولماذا؟

الإعلام العالمي والفرنسي على وجه الخصوص يظهر التقدم السريع على الأرض للقوات الفرنسية بدعم إفريقي لدحر القاعدة والطوارق الذين كانوا يطالبون بالاستقلال في منطقة تضاهي في مساحتها مساحة فرنسا وبلجيكا مجتمعتين!

الكل يعلم بأن تحول أنظار فرنسا الاستعمارية إلى قارة أفريقيا قد بدأ منذ القرن السابع عشر، تحديداً أثناء حرب الجزائر عام 1830 والتي مع مرور الوقت جعلت من الجزائر عام 1948 وبشكل رسمي جزءاً لا يتجزأ من الأراضي الفرنسية. واعتقد الفرنسيون وقتها بأن الأمر قد فرض واقعاً.

غير أن تلك السياسة باءت بالفشل وطرد المستعمر شر طردة مقابل مليون شهيد. وعلى ذكر الاستعمار الفرنسي للجزائر والمذابح التي تزامنت معه فإن فرنسا لم تعوض حتى الآن أهالي الضحايا ولا سنتاً واحداً، بل أكدت رفضها الاعتراف بالمجازر التي ارتكبت في حق شعب آمن. على عكس ما حصل بين أوروبا واليهود الذين تم تعويضهم ليس فقط بالمليارات من الدولارات بل بدولة لليهود على حساب شعب مسلم.

بعد الجزائر انتشرت ريح الاستعمار الفرنسي تضرب في أرجاء أفريقيا، حيث الشعوب المغلوبة على أمرها والتي تحررت لاحقاً شكلياً لكنها ظلت تتبع تعليمات فرنسا.

ومجرد الإحساس بأن واحدة من هذه المستعمرات القديمة قد تسقط في يد الثوار أو المنظمات الإسلامية، يعني لفرنسا خطراً على باقي المستعمرات التي تنام في أحضانها، تماماً كما يشعر الزوج المنهك بأن واحدة من مطلقاته على وشك الارتباط بغريم آخر! وبالتالي، خسارة موضع قدم وأطماع نفطية مطمورة تحت الأرض وتهديد لمصالح فرنسا في أفريقيا والشرق الأوسط.

حاولت السياسة الغربية في القرن الواحد والعشرين العودة إلى تقاسم خارطة العالم كما كان قبل خروج الاستعمار. وأمام انشغال الولايات المتحدة في حروبها في أفغانستان والعراق وضعف القوة الحربية في بريطانيا وتركيز ألمانيا على الصناعة الداخلية وجدت فرنسا بأنها فرصة سانحة لاستعادة دورها المفقود في الشرق الأوسط الغني بالموارد الطبيعية.

وكما لاحظنا فقد حاولت فرنسا التقرب من منطقة الخليج أثناء حكومة ساركوزي لكنها لم توفق، ثم لم تتردد في التدخل عسكرياً في ليبيا بشكل فردي وحصلت على بعض الصفقات، ولعبت ومازالت تلعب دوراً كبيراً لتحجيم حزب الله في لبنان ولصق صفة الإرهاب به (المصطلح الذي استوردته من الولايات المتحدة لتشويه سمعة كل من يقف في وجه مخططاتها) والآن تحاول إزالة تمدد القاعدة في شمال مالي والحركات الانفصالية التي ترمي إلى تقسيمها.

واليوم وضعت كل ثقلها على الأحداث الدائرة في سوريا والذي نستشفه من التصريحات الغاضبة التي يطلقها من حين إلى آخر لوران فابيوس وزير خارجية فرنسا بغرض تسريع الإطاحة بنظام بشار الأسد. وبالتالي قطع الاتصال بين إيران التي ما انفكت تمد جسورها إلى المنطقة وحزب الله الذي يهدد أي هيمنة غربية على لبنان ويتوعد الكيان الإسرائيلي من الشمال.

هو باختصار دخول دولة بشكل وحيد في لعبة الهيمنة التي ولى زمنها ولا نعرف كيف شعرت فرنسا فجأة بالقوة في التدخل العسكري في كل مكان لمحاربة الإرهاب والظلم والاستبداد، اللهم إلا أن يكون ذلك بسبب غياب الدور الأميركي. ومثل هذه المغامرات قد لا تكون فرنسا على مستوى الشروع فيها.

إن المحبين لفرنسا ولحضارتها وثقافة شعبها يخافون عليها من الانهيار بسبب تبنيها حديثاً سياسة التدخل العسكري التي لا يعرف أحد نتائجها، والتي وضعت فيها فرنسا نفسها وجهاً لوجه مع أخطر المنظمات الإرهابية في العالم بل في التاريخ والتي أسست لها شبكة من المخططين والمنفذين والمحاربين عجزت الولايات المتحدة الأميركية وقبلها روسيا عن التغلب عليها.

الاقتصاد الفرنسي في حالة يرثى لها، والشعب الفرنسي الذي انتخب هولاند قبل شهور بدأ يتذمر من سياسته وإذا بشعبيته تهبط إلى 30٪! وهي أدنى نسبة عرفتها فرنسا منذ عام 1981!

فهل حان الوقت لفرنسا أن تعيد النظر في سياسة إبراز العضلات؟

* نقلا عن صحيفة "البيان" الإماراتية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.