حول استبدال جامعة الدول بجامعة الشعوب
تكررت في خضم العواصف السياسية والصراعات العسكرية التي تشهدها المنطقة العربية الدعوة إلى تأسيس جامعة الشعوب العربية . وانطوت هذه الدعوات على نقد ضمني أو حتى معلن للمواقف التي اتخذتها الجامعة تجاه بعض الأحداث التي مرت بها المنطقة . ولكن إذا كانت هناك موجبات سليمة وصحيحة لنقد مواقف الجامعة، وإذا افترضنا أن الجامعة أخطأت عندما اتخذت هذا الموقف أو ذاك، فهل يصح أن يعالج هذا الخطأ بالدعوة إلى استبدال جامعة الدول بجامعة الشعوب العربية؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نميز، ابتداء، بين نوعين من هذه الدعوة:
الأول، الدعوة إلى إقامة جامعة الشعوب العربية هيئة موازية أو رديفة للجامعة . بهذا المعنى تكون هذه الهيئة بمنزلة رقيب شعبي على أعمال الجامعة وقراراتها . فإذا اعتبرت الهيئة أن جامعة الدول أخطأت في اتخاذ قرار ما، يكون من واجب الهيئة أن تنبه إلى هذا الخطأ وأن تسعى إلى إرجاع الجامعة عنه . وإذا وجدت الهيئة أن الجامعة اتخذت قراراً صائباً يخدم المصالح المشتركة للعرب وللدول العربية، يكون من واجبها أن تدافع عنه وأن تسعى إلى إقناع المواطنين العاديين بأهمية دعم هذا القرار وحث الجامعة على تنفيذه .
فضلاً عن هذا وذاك، وانطلاقاً من الاقتناع بأهمية التعاون والتكامل بين الدول العربية (والدولة تعني السلطة والشعب والأرض)، يكون أيضاً من واجب جامعة الشعوب أن تعمل من جانبها على بلورة مقترحات ومشاريع وبرامج تعتقد أنها تفيد المصلحة العربية، وخاصة على صعيد تنمية العلاقات العربية - العربية على كل صعيد سياسي، اقتصادي، ثقافي، وعسكري، وأن تتقدم بها إلى جامعة الدول وإلى الحكومات العربية وأن تسعى إلى إقناع أصحاب القرار بتبنيها والعمل على تنفيذها . باختصار، تكون جامعة الشعوب بمثابة - لوبي - يعمل على تعميق النظام الإقليمي العربي ومؤسساته وفي مقدمتها جامعة الدول العربية .
الثاني، الدعوة إلى تأسيس جامعة الشعوب العربية - بديلاً - عن جامعة الدول العربية . ويترتب على هذا النهج - الاستبدالي - العمل على انتزاع الشرعية الدولية والإقليمية من - الأصيل - أي جامعة الدول .
في تقديري أن الترجمة الأولى للدعوة إلى تأسيس جامعة الشعوب العربية تنسجم مع المصلحة العربية، أي مصلحة الأمة والحكومات العربية، تماماً مثلما تنسجم المنتديات والتجمعات الأهلية التي تقام لدعم رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ولدعم سوق أمريكا الجنوبية المشتركة (ميركوسور) والاتحاد الأوروبي .
إن وجود مثل هذا الفاعل على النطاق الإقليمي العربي، إذا توفرت له المصداقية والإمكانات المناسبة والالتزام بمبادئ التعاون والتكامل العربيين، سوف يكون له، في رأيي، الأثر المهم في تعزيز جامعة الدول وتعميق العمل العربي المشترك .
أما إذا كان المقصود بالدعوة إلى إقامة جامعة الشعوب العربية هو أن تكون بديلاً عن الجامعة الحالية، فإنني أعتقد أن هذه الدعوة الاستبدالية لا تخدم المصلحة العربية . أقول ذلك وأنا مقتنع تمام الاقتناع بأن أكثر الذين يطالبون باستبدال جامعة الدول بجامعة الشعوب هم من الذين يشعرون بالإحباط نتيجة عجز الأولى عن تمثل الأهداف العربية، ويأملون أن تتحقق بعض هذه الأهداف عن طريق الجامعة الثانية . بالمقابل فإنني أعتقد أنه هناك أكثر من سبب لكي يجد المرء في المشروع الاستبدالي هذا مبرراً للتشاؤم وليس للتفاؤل بإمكان الارتقاء بالعمل العربي المشترك، فما هذه الأسباب؟
أولاً، إن الدعوة الاستبدالية لا تقدم شرحاً كافياً ومقنعاً حول كيفية تمثيل الشعوب العربية في الجامعة المقترحة . من هذه الزاوية هناك فرق كبير بين تكوين تجمع أو هيئة شعبية تساند العمل العربي المشترك، بحيث تضم جماعات من قوى المجتمع المدني العربي، أي جماعات تعتبر نفسها من الشعب، ولكنها لا تدعي أنها تمثله بصورة حصرية وأنها تنطق باسمه . هذا من جهة، وبين هيئة تنسب لنفسها تمثيل الشعوب العربية وبأنها - تصحح - بذلك مسألة مشروعية الأوضاع العربية الراهنة .
ثانياً، إن الجامعة العربية لم تقف حجر عثرة في الماضي أمام تكوين أي تجمع أهلي عربي يعمل لأي غرض عام . وفي تاريخ المنطقة العديد من هذه المشاريع مثل مؤتمر الخريجين العرب الذي كان ناشطاً في الخمسينات، والجبهة العربية المشاركة في الثورة الفلسطينية التي كانت ناشطة في السبعينات، والمؤتمر العام للأحزاب العربية الذي لا يزال مستمراً حتى هذا التاريخ . هذه التجمعات مارست وتمارس نشاطاتها اليوم من دون أن تجد في الجامعة عقبة تحول بينها والدعوة إلى تحقيق المشاريع العربية الإقليمية .
ثالثاً، إن الأمر قد يختلف إذا قامت هيئة تسعى إلى دعم مشاريع العمل العربي المشترك، وخاصة جامعة الدول العربية، وإذا سعت إلى تفعيلها . هنا يتطلب الأمر درجة من التنسيق والتعاون بين مثل هذه الهيئة، من جهة، مع الحفاظ على استقلاليتها، والأمانة العامة للجامعة . إن تجربة روابط أصدقاء جامعة الدول العربية التي أطلقت عام 1995 لمناسبة مرور نصف قرن على تأسيس الجامعة تدل على أن هذا التعاون ممكن . فقد تأسست الروابط نتيجة تعاون فريق من الناشطين العرب المقتنعين بقيمة العمل العربي المشترك وبضرورة تطويره، وبين الأمانة العامة للجامعة التي كان يقف على رأسها وزير الخارجية المصري الأسبق الدكتور عصمت عبدالمجيد، وقد رحب الأمين العام بالمشروع وشجعه واحترم استقلاليته .
وتغير موقف الأمانة العامة من هذا المشروع ومن محفزاته عندما أسند منصب الأمين العام إلى وزير الخارجية المصري الأسبق عمرو موسى، الذي أدار ظهره لأكثر المبادرات والجماعات التي كانت مقتنعة بأهمية العمل العربي المشترك والتي سعت إلى دعم الجامعة على الصعيد الشعبي . إن تغير موقف الأمانة العامة من هذه المبادرات يدل على أن المشكلة ليست في الجامعة نفسها وإنما في تغير السياسات والأولويات مع تغير الامناء العامين .
إن الأسباب المدرجة أعلاه تنطلق من أن النشاطات الأهلية هي أقرب إلى تمثل غايات وقيم العمل العربي المشترك من العمل الحكومي . والحقيقة أن الأمر ليس دائماً على هذا النحو . ففي كثير من الأحيان نجد أن الحكومات العربية تسبق المنظمات الأهلية العربية في الدعوة إلى مشاريع التعاون العربي . إن مقررات قمة عمان التي انعقدت عام 1980 والتي ركزت على التعاون الوظيفي، وخاصة الاقتصادي بين الدول العربية تفوق من حيث أهميتها، وبالمعايير العربية التضامنية والتكاملية، برامج العديد من الجماعات الأهلية المعنية بهذه الأهداف الأخيرة . كل ذلك يحثنا على التدقيق في المشاريع - الاستبدالية - التي قد تضيع البوصلة حتى ولو استجابت، أحياناً، إلى حوافز ومشاعر محقة .
* نقلا عن "الخليج" الإماراتية