ديمقراطية لبنان . . طوائف لا مؤسسات

عصام نعمان
عصام نعمان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

يمتدح اللبنانيون أنفسهم بالقول إنهم أول ديمقراطية في المشرق العربي . لكنهم أساؤوا إلى أنفسهم مطلعَ هذا الأسبوع بتعطيلهم واحدة من أهم مؤسسات الديمقراطية . فقد امتنع ثلاثة من أعضاء المجلس الدستوري، الذي ينظر في دستورية القوانين، عن الحضور وبالتالي عن توفير النصاب القانوني لجلسة مقررة للنظر في مراجعةٍ تقدّم بها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وعشرة من النواب ينتمون إلى “كتلة الإصلاح والتغيير” طعناً بقانون كان أقرّه مجلس النواب، يقضي بتمديد ولايته سنة وخمسة أشهر .

قد يقول قائل إنه من الظلم تحميل اللبنانيين مسؤولية تعطيل المجلس الدستوري . حسناً، اللبنانيون ليسوا مسؤولين مباشرةً عن تعطيل نصاب المجلس، لكنهم مسؤولون مداورةً عن ذلك، لكون القضاة الذين امتنعوا عن الحضور تأثروا بضغوط مارسها عليهم رئيسا كتلتين نيابيتين ارتأيا عدم تمكين المجلس الدستوري من الانعقاد تفادياً لاتخاذه قراراً بقبول الطعن المقدّم، وبالتالي إبطال قانون التمديد لمجلس النواب .

كما تردد أيضاً أن القضاة السبعة الذين قرروا حضور الجلسة تأثروا بضغوط كان مارسها عليهم رؤساء احزاب وكتل نيابية أخرى ارتأوا أن مصلحتهم (كما مصلحة البلاد!) تقضي بإبطال قانون التمديد لمجلس النواب بغية إجراء الانتخابات وفق أحكام “قانون الستين” الساري المفعول .

رؤساء الكتل النيابية الذين ضغطوا على قضاة المجلس الدستوري لقبول الطعن المقدّم أو ردّه هم نواب يمثلون، إفتراضياً، اللبنانيين الذين انتخبوهم ما يعني، في الواقع، أن الناخبين مسؤولون عن انتخاب نوابٍ لا يتورعون عن مخالفة أحكام الدستور والقوانين النافذة بغية حماية مصالحهم السياسية تحت يافطة حماية مصالح البلاد العليا! كما يعني أن الناخبين يقدّمون مصالح (زعماء) طوائفهم على انتظام مؤسساتهم .

هذا الوضع المؤسف والمؤلم والمزري الذي انتهى إليه النظام السياسي في لبنان إنما يدل على حقيقة ساطعة مفادها أن الديمقراطية، قبل ان تكون انتخابات دورية ومؤسسات دستورية، هي ثقافة بالدرجة الأولى . ثقافة جوهرها قبول الآخر وبالتالي التزام “قواعد اللعبة” في المنافسة الحرة بين اللاعبين الذين ينشدون الوصول إلى السلطة .

الى ذلك، يُستفاد من تجارب الدول المتقدمة حضارياً أن نجاح الديمقراطية مرهون بتوافر شروط ثلاثة:

* أولها، توافر حدٍّ معقول من التعليم، وبالتالي من الوعي يتيح للمواطنين عامةً وللناخبين خاصةً القدرة على المفاضلة بين البرامج السياسية والاجتماعية للمرشحين، وعلى تقدير ما هو في مصلحة البلاد عموماً ومصلحتهم خصوصاً .

* ثانيها، توافر حدٍّ معقول من البحبوحة أو، في الأقل، من المعيشة اللائقة وبالتالي توافر قاعدة عريضة من أفراد الطبقة الوسطى . ذلك أنه من الصعب جداً أن تنجح الديمقراطية في بلد معظم ناخبيه من الأميين والفقراء . هؤلاء يعتبرون السياسة، وبالتالي الانتخابات، ترفاً بإزاء انشغالهم بتوفير قوتهم اليومي . والملاحظ أن الضائقة المعيشية تدفع بعضهم أحياناً إلى “بيع” صوته إلى من يرغب لسد حاجته إلى المال والمأكل والملبس .

* ثالثها، توافر الحرية والسيادة للبلد المعني بالانتخابات . ذلك أن لا سبيل إلى ممارسة حق الاختيار والانتخاب على وجه صحيح في بلد محتل أو مسلوب الإرادة السياسية .

من هذه الشروط الثلاثة يتمتع لبنان بالأول منها بمستوى عالٍ نسبياً . فالمتعلمون هم أغلبية اللبنانيين ما يرفع، نسبياً، مستوى الوعي في صفوفهم . لكن هذه الميزة يعطّلها أو يحدّ من فعاليتها الإيجابية ارتفاع حدة العصبيات المذهبية والطائفية .

كما يحدّ من فعاليتها أيضاً اتساع قاعدة الفقراء والمحتاجين نتيجةَ الحروب والاضطرابات الأمنية التي عاناها اللبنانيون منذ مطالع سبعينات القرن الماضي . كذلك كان لوجود قوى خارجية مسلحة على الأراضي اللبنانية طوال السنين الأربعين الماضية أثر في تعطيل إرادة اللبنانيين أو في ارتهانها .

كيف السبيل إلى الخروج من المأزق الحالي والأزمة المزمنة؟

لا جدال في أن لا دولة في لبنان بل نظام طوائفي مركانتيلي فاسد تحكمه شبكة سياسية مؤلفة من متزعمين في طوائف، ورجال أعمال وأموال يتعاطون السياسة، وقادة متنفذين في الأجهزة الأمنية . هذه الشبكة تعيد إنتاج النظام من خلال قوانين انتخابات موضوعة على قياس مصالحها . ولأنها ضعيفة، فإن أركانها لا يتوانون عن الاستعانة بقوى خارجية لدعم مصالحهم الذاتية مقابل خدمات وعمولات متبادلة .

هكذا يتضح أن السبيل السلمي لتغيير النظام الطوائفي الفاسد انما يكون، أساساً، بتغيير قواعد الانتخاب جذرياً باتجاه اجتراح قانون انتخابات على أساس التمثيل النسبي في دائرة كبرى هي الجمهورية برمتها . ذلك يضع اللبنانيين جميعاً أمام التحديات والمشاكل نفسها، كما أمام الأفراد والقوى التي ترشح نفسها لمواجهتها ويحول، تالياً، أو يضيّق في الأقل، إمكان استخدام سلاح المال لشراء الذمم والأصوات .

لكن هل من سبيل إلى اجتراح قانون ديمقراطي للانتخابات بوجود هذه الشبكة السياسية المسيطرة؟

إنه أمر صعب بما لا يقبل الشك . لكن الأمل معقود على ثلاثة احتمالات بازغة:

الأول، أن يتردى وضع النظام السياسي، فما يعود في مقدور أهله إعادة إنتاجه بواسطة قوانين الانتخابات كما يتضح من مأزقهم الحالي .

الثاني، أن تتصدى القوى الوطنية الحية، وفي مقدمها القوى الشبابية، كما القيادات المستنيرة والملتزمة في الشرائح الاجتماعية المتضررة من النظام وأهله إلى التمرد عليه حتى حدود العصيان المدني .

* الثالث، أن يعجز أركان الشبكة السياسية الحاكمة عن الاستعانة بقوى خارجية، كما فعلوا في الماضي، فيضطرون إلى التراجع قليلاً أو كثيراً أمام ضغوط القوى الوطنية والاجتماعية الحية والفاعلة ما يؤدي إلى ابتداع قانون للانتخابات ديمقراطي على اساس التمثيل النسبي والدائرة الوطنية الكبرى، ويصار الى إقراره في استفتاء عام .

هل دقت ساعة العصيان على النظام؟

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.