المذهبية والطائفية استقالة من السياسة
قبيل الحراك الشعبي العربي نمت في أحشاء مجتمعات الاستهلاك العربي نخب اتخذت من دورها ومكانتها الاجتماعية وسيلة لتعميم فكر محافظ وجد في تعاظم ظواهر الفقر والبطالة والجوع والأمية والجهل تربة خصبة لنشر أفكار لم تكن منسجمة مع ثقافة المجتمع بقدر ما كانت تنفيساً لغل القطاعات الشعبية على فئات اجتماعية أخرى، تجلى ذلك، (مثلاً)، في أحداث العنف الطائفي في مصر، وفي التذبيح الطائفي والمذهبي في العراق . وهذا لم يكن- قطعاً - خارج إطار استراتيجية “الفوضى الخلاقة” التي برعت في استخدام تيار تكفيري جاهل متطرف “صنعت” “عفريته” في نهاية سبعينات القرن الماضي وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، “السي .آي .إيه” بالتنسيق مع أجهزة مخابرات أنظمة دول عالمية وإقليمية .
ومع انطلاق هذا الحراك قبل عامين ويزيد، ساد الأمل بتراجع قوة هذا التيار، لكن المفارقة كانت تناميه إلى درجة تصدره للمشهد في المدى المنظور، وربما المتوسط، على الأقل، لنكون إزاء مشهد سياسي عربي تطفو على سطحه ظاهرة القعود في مغارة المذهبية والطائفية المظلمة، بدءاً بالجزائر والمغرب وليبيا وتونس وسيناء وصولاً إلى اليمن والعراق وسوريا ولبنان . هنا ثمة ظاهرة مرعبة تنذر بتجزيء تقسيمات سايكس-بيكو، وبتصفية إرث ما عاشه الوطن العربي لعقود من جيشان قومي صهر الطائفة والمذهب في بوتقة الوطن والمواطنة، وتجاوز في طموحه حدود وحدة القُطر إلى وحدة الوطن والأمة .
إذاً، نحن اليوم إزاء وطن عربي يقع فريسة لهجوم طائفي ومذهبي مبرمج يمتد من ليبيا إلى اليمن، ما يعني استقالة من السياسة من حيث:
1: إعلاء شأن المذهب والطائفة على حساب المواطنة بالمعاني كافة، وهو المرادف للفتك بمكونات الأمة ودولها وشعوبها ومجتمعاتها ونشر الفتن والحروب الأهلية فيما بينها .
2: تغييب الاهتمام بالفعلي من قضايا الشعوب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لمصلحة التركيز على قضايا هامشية مفتعلة تتعلق بعادات وقيم وسلوكيات تتغير بتغير الواقع السياسي- الاجتماعي- الاقتصادي .
3: تغييب قضايا الأمة المركزية، وأولاها قضية فلسطين المهمشة منذ سنوات بفعل انقسام وتناحر أطراف عاملها الوطني وتقاعس أطراف عاملها القومي المنشغل في تيه محاور الطوائف والمذاهب .
4: تغطية استهدافات توليد أنظمة سياسية عربية متناحرة ومُستَغْرَقة في نظام تقسيم العمل الدولي، لها دور الوكيل لنظام السيطرة والنهب الغربي بقيادة الولايات المتحدة التي تستخدم البنك وصندوق النقد الدوليين وهيئة الأمم المتحدة أداة لتفتيت واستتباع والسيطرة على الدول العربية، وعلى الدول “النامية” عموماً .
5: إشغال المعارضات الوطنية العربية في قضايا جانبية لتكون مجرد امتداد للأنظمة القائمة يلعب في حياضها، ويسودها فكر يومي يغرق في التكتيك ويطفو على سطح الظواهر من دون الغوص في عمق مكوناتها، ويلمح التناقضات دون إعادتها بالتحليل إلى مركباتها الأصلية، ويستهلك الفكر أكثر مما ينتجه، ويحوز مسطرة جاهزة يقيس عليها دون أن ينتج مسطرته الخاصة من واقعه، كمسطرة تستند إلى براعة في التصميم والإبداع الفكري والسياسي والتنظيمي .
6: تعزيز مواقع تيار “الإسلام السياسي” المحافظ وتسهيل توليه السلطة، كمعارضة تحمل تصوراتها عن برنامجها بناء على جوامد فكرية تحول دون تقديم معالجات عقلانية راشدة . بل وتحتكم إلى نظام أبوي صارم يستند إلى التعاليم أكثر من استناده إلى الفكر، أي إلى عبادة النص الذي ينتقل في التطبيق إلى الفقيه أو المرشد الذي يكتسب بفضل ذلك قدسية تفرض الطاعة العمياء، والانشغال في معالجة مظاهر في القيم والأخلاق تتعلق باللباس وجوانب السلوك الإنساني الأخرى، ما يعني استلاب إرادة الناس وعقولهم، واضطرارهم إلى حمْل دليل إرشادي للسلوك في كل لحظة، بينما أسس حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مغيبة إلى درجة أن يصبح -مثلاً - تحويل اقتصاد البلد إلى اقتصاد تصديري استهلاكي تابع أقل شأناً من قضية لبس النقاب .
7: تسهيل الطريق أمام أجندة الولايات المتحدة الفعلية في الوطن العربي كأجندة تتلفع بساتر نشر الديمقراطية في ربوعه، بينما لم تنتج - في الواقع - سوى “ديمقراطية” التذبيح والتجزيء والفتن الطائفية والمذهبية نراها ماثلة في العراق وليبيا، بينما يراد لسوريا وبقية أقطار المشرق العربي بلوغ المصير ذاته . ولا عجب في ذلك، اللهم إلا إذا كان بلا معنى أن تعكف وزارة خارجية الولايات المتحدة في العام ،2000 بالتعاون مع أحد المعاهد هناك على إنجاز دراسة عن الأقليات في العالم، عموماً، وفي الشرق الأوسط، خصوصاً، نُشرت في كتاب تحت عنوان لافت: (الأقليات في خطر) . أو إذا كان بلا معنى أن يصبح شعار “دعوا العرب ينتحرون بهدوء” شعاراً سائداً في الأوساط السياسية والعسكرية والأمنية والصحفية “الإسرائيلية” .
8: تهميش تراث أصحاب الفكر الديني الوسطي السمح المستنير بدءاً برواد النهضة والإصلاح الديني وصولاً إلى علماء مؤسسة الأزهر الشريف وجامع الزيتونة لمصلحة تسيد مشايخ ومفتين يسكبون - من أسف - الزيت على نار الفتن المذهبية والطائفية، ما يجعلهم يصبون الحب - بوعي أو بجهالة - في طاحونة أعداء الأمة الماضين حتى ينقطع النفس في استراتيجية، بل بدعة، “الفوضى الخلاقة” المؤججة لكل صنوف الاحتراب والتذبيح والتقتيل والتجزيء والتفتيت والتقسيم . وهو ما يعاكس ما أسس له رواد النهضة الأوائل، وسارت على طريقه كوكبة من علماء الأمة، ركزت على مواجهة مشروع الاستعمار الغربي، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، الشيخين الجزائريين عبد الحميد بن باديس ومالك بن نبي، وشيخ جامع الزيتونة التونسي عبد العزيز الثعالبي، والمشايخ المصريين حسن العطار، ومحمود شلتوت، وعلي عبد الرازق وخالد محمد خالد، والشيخ السوري الفلسطيني الشهيد عز الدين القسام .
قصارى القول: الوطن العربي المجتمع والشعب والدول والسلطة والمعارضة والحراك الشعبي والتاريخ والهوية، أمام خطر حقيقي عنوانه الانخراط في صراع داخلي غير سياسي، بل طائفي ومذهبي يعادل استقالة من السياسة، بينما أعداء الأمة ينفذون سياسة تستخدم الطائفة والمذهب لتفتيتها وتعميق السيطرة على مقدراتها، وإعاقة كل محاولة جدية لتقدم ورفاه شعوبها ودمقرطة حياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتهميش قضاياها المركزية، وفي مقدمتها قضية فلسطين، جوهر صراعات المنطقة وعقدتها الأساس منذ سايكس - بيكو ووعد بلفور وحتى يوم الناس هذا .
* نقلا عن "الخليج" الإماراتية