.
.
.
.

كي لا تتحوّل النار إلى كائنٍ عربي

نسيم الخوري

نشر في: آخر تحديث:

آخر تحديث:السبت ,22/06/2013 تنمو الحياة بطيئةً، لكنّ النيران تمحو فلا تترك أثراً لنا، وفي لحظة واحدة تفترسنا مثل قشّةٍ من تبن . مفارقة هائلة بين من كانوا ينتظرون ملامح العبوس الضاحك في لقاء بوتين، أوباما، وبين الأجساد المتلظّية في الحرائق السوريّة . نعم، تبعث النار الهادئة في جسدي الرئيسين أمام الموقد أو تحت الشمس الحزينة في إيرلندا حيث اجتمعا أو في أية بقعةٍ في العالم أو أمام حرارة الشاشات، مشاعر الحب والخير والوقار والمؤانسة والحوار . تنصبّ الأحلام في مخيلاتنا عند التحديق في الجمر أحياناً فنعبر إلى الجنّة، وتجعلنا نصرخ لدى مداعبتها بحثاً عن القرى الضائعة في مخيلة بروميثيوس، لكنها النيران ذاتها التي تحرق في سوريا الضائعة كما في الجحيم .

ما يحصل في سوريا يفيض فوق إطار الصورة نحو البقاع وصيدا ويتوسّع الحريق . ليس أسرع من النيران عندما تعصف بها الريح . هناك خوف حقيقي في لبنان وغيره أن يجرف الحريق تشوّهات النيران الموسومة فوق أجسادنا . ونحن مثل سوريا في حالٍ من ضياع لا نعرف تحديد تلك النيران .

هل هي “ثورة” على الأنساق العربيّة الغريبة المستوردة التي شهدناها ونشهد آثارها في تونس ومصر وليبيا واليمن؟ هل هي انتفاضة داخلية للمعارضة على النظام؟ هل هي حروب أهلية متنوعة؟ هل هي حروب طائفية متعددة؟ هل هي حروب الآخرين على أرض سوريا كما حصل في لبنان، أو أنّها حرب اللبنانيين على أرض سوريا كما حصل بعد انخراط اللبنانيين فيها؟ هل هي حروب عربية وإقليمية ودولية وكونيّة هناك؟

ما يحصل هناك هو شيء من كلّ هذا وهو هذا كلّه مجتمعاً حيث لا جواب نهائياً في أزمنة الحرائق . والحقيقة أنّنا لم نحصِ أجوبة نهائية في أزمنة الدفء، أيضاً يمكن أن توصّف العلاقات بين البلدين الجارين أو بين العرب والعرب . كيف؟

من علاقات الجوار والأخوّة، والعلاقات المميزة بين لبنان وسوريا إلى علاقات التنسيق والتعاون بينهما، إلى علاقة ربط المصير والمسار بينهما، إلى المحاولات الجادّة لفصل المسارين بعد القرار ،1559 ومن صفات الوجود السوري إلى الاحتلال السوري، إلى الخصومة التي أعقبت العام 2005 كي لا نقول العداوة التي يأنفها الحبر العربي، إلى العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وفتح السفارات ثمّ الإلحاح لترسيم الحدود بين البلدين، تكون العلاقات اللبنانية السورية قد رجّحت في تاريخها المعاصر ومنذ الاستقلال، مستويات ثلاثة من العلاقات يمكن اختصارها، بالمصطلحات التالية: الاستقواء والاستعداء والاستجداء تفتقر إلى الثبات في الممارسة والرؤية والعروبة .

لأنّ كلّ علاقة مبنية على الانتماء تورث الارتباط والاحترام والتواصل والصداقة كما المحبة . ومن العلاقة يشتق “العقل” الذي يعني الفهم والتدبير، لأنه يعقل صاحبه عن التورّط في المهالك . يضع العربي غطاء أبيض أو ذا نقشة فلسطينية أو أردنية أو سورية، وفوقه عقال يحمي به رأسه من حرارة الشمس، ثمّ يقف في صفّ الحكماء والعاقلين ليكفل ثباته، مهما اشتدّت الرياح وأغرت النيران، بهدف حماية الوطن العربي ومحيطه من الحرائق .

ولأن كلّ علاقة مبنية على الاستقواء والاستجداء والاستعداء أو الاستعلاء، لا تورث سوى “اللقع” الذي يعني لدغ الآخر القريب، ورميه بالكلام الكثير والأحمق المعيب، والفاحش في النبرة، والعمل على التغلّب عليه، كما تورث “اللعوقة” التي تعني خفة الإنسان ونزقه وسرعته في ما يطلق من كلام وأحكام ومواقف، كما تطمرنا الخطب المرتجلة في الشاشات . تورث “القلع” أيضاً الذي يعني استئصال الشيء من جذوره وتحويله عن موضعه والسير به متعثراً كمن يركض فوق منحدر، وتورث أخيراً وفقاً للاشتقاق اللغوي الثلاثي “القعل” الذي يعني الانشقاق عنه والتناثر مثل أكوام الوبر تهرّ من بعير . . أليس هذا هو حال العرب؟

ما المقصود بالانتماء؟

ليس من أجوبة أو مواصفات ثابتة في مناخ من التشظي والانقسام والحروب المتنقّلة المحمولة Portable . نحن في زمن إعادة البحث عن الملامح الفكرية والروحية والوطنية التي تعيد الدفء ونار الحوار إلى المنطقة . “وإنّ هذه أُمَّتُكُم واحدةً وأنا ربّكم فاتّقون” (المؤمنون 52) . يبحث العرب عن علاقات طوارئ وهم في حنين نرجسي إلى علاقات الثوابت المتجددة وجوهرها الانتماء إلى أرض حباها الله بكنوزه السماوية والأرضية . تغطّينا الصور التي نقدّمها للعالم، وكأننا متلذذون بالحرائق تنزّ من فوق ألسنة بعض السياسيين، بما يجعلنا الساحات المفتوحة على أعداء العرب والمحيط بهدف المزيد من ترسيخ الانقسامات والدماء من فوق العتبة السورية .

تولد النار عند الاحتكاك بين يباس الشجر، وتولد القنبلة الذريّة من العبسة في وجه قايين، وتقفز الكلمات اليابسة من نيرانها الجارحة عربيّاً إلى الحرائق، وفي هذا التراكم والاختلاط المستجد من الأخطاء والشتائم، ما يفضي إلى انفلاش الدم، بينما يتساوى المقدس بالوطني، في زمن المحن، وحيث تلمع نقطة الحبر الصائبة العاقلة، أرشق من لغو مسؤول يرتجل، فالعرب متلاقون ومحكومون بالتجاور حيث للشعوب قوة وحكمة في هندسة البشر والأوطان والثقافات وتوزيعها وتشابهها ولا من يقوى على خربطتها . أحلام؟ قد تتوه الأحلام وتضيّع وجهتها، لكن عندما تدير الريموت كونترول من إيرلندا إلى دمشق تحسّ بأنّ الموت يضعف عندما تتحاشر الأجساد العربية والإسلامية وتتزاحم في قلب الموت . تذوب نحو هدأة الرماد، لكنّ روحاً عربيّة تقوى على ما يحملها فتترك الأحلام وتتبع الأشباح المتلطية خلف الحرائق!

بالطبع كي لا تتحوّل النار إلى كائنٍ عربي، فالتواصل والحب هما الفرضية الأولى في إنتاج النار والضوء .

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.