ماذا لو تجاوزت الرقع مساحة الثوب؟
لبنان محكوم، اليوم، بثلاثة مثلثات مشتعلة أمنيّاً ودستوريّاً وسياسياً . لكلّ مثلث زواياه المحشوة بالمعضلات .
* أولاً: بقي لبنان، مشدوداً بين 8 و14 آذار إلى مستوى سقوط كلّ المحاولات الجامعة بينهما من 11 آذار والوسطيين ومجموعات المجتمع المدني والكتل والأحزاب الناشئة الشبابية المفتونة “بثورات” العرب الحديثة . ويفاقم الفشل لطبيعة النظام الديمقراطي الذي ينحدر إلى استبدادية صارخة في السلوك السياسي . حتّى إنّ محاولات رئيس الجمهورية وحلفائه المتأرجحين بالتوفيق بينهما لم تنجح منذ أن كان قائداً للجيش وبعد إصراره على الحوار في البرلمان أو في بعبدا . ويعدّ الفكر التوفيقي من أصعب الأفكار تطبيقاً، لأنّ مصالح الفريقين في الحكم تليّن حدّة تنافرهما، ولهذا لم تنشأ أحزاب جديدة تغري ال 60% من اللبنانيين اليائسين من تكرار محاولاتهم للمشاركة في الانتخابات أو تأليف حكومات تراعي المصالح الوطنية .
* ثانياً: يبدو لبنان مشدوداً بين جمهورية الميثاق الوطني للعام ،1943 وجمهورية التسويات للعام 1990 أي جمهورية الطائف والجمهورية الجديدة المنتظرة، بعدما أفرغت الإدارات، وتراجعت صورة البرلمان لدى الفشل في التفاهم على قانون انتخابي يجدّد الحياة السياسية، ثمّ أفرغ الدستور من هيبته عندما لم يتمكّن المجلس الدستوري من التلفّظ بالحق اللبناني بالانتخابات، فختم المحضر بما يمكن توقيعه بالقول: طريق الحق موحش لسالكيه . ويتعثّر رئيس الحكومة المكلّف في محاولة تشكيل الحكومة من متساوين بين أطراف غير متساوية في التوجه والمنطق والرؤية .
* ثالثاً: يبدو لبنان مشدوداً أمنياً بين زوايا مثلث جغرافي مشتعل في صيدا وطرابلس والبقاع تذكي خطورته نبرة التقاذف بين الطوائف المتناكفة . شكّلت هذه الجغرافيات نوعاً من التجانس الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والديموغرافي في ما كان بالأقضية الأربعة التي سلخها المنتدب الفرنسي من سوريا وألحقها بجبل لبنان في العام 1920 ليعلنها البطريرك الحويك دولة لبنان الكبير الديمقراطي بدستوره الفرنسي الذي لم يعرف تعديلات كبرى إلاّ بعد دستور الطائف 1990 . وهنا ملاحظات شديدة الأهمية، لكنها محكومة بأنّ بين السنّة والشيعة تداخلاً يجعل تظهيره، على الرغم ممّا هو حاصل اليوم، مخاطرة أو مغامرة غير موضوعية:
1- لم تكن هناك جغرافية محدّدة اسمها الضاحية الجنوبية لبيروت قبل ال 1984 . كانت هناك الأحياء المعروفة كحارة حريك، حي السلّم، الليلكي، حي الغدير . . .إلخ . لكنّ الدولة اللبنانية، جمعتها في هذه التسمية عند إنشاء بيروت الكبرى عندما وسّعت رقعة انتشار الجيش اللبناني ليحلّ مكان المسلّحين . واتّخذت التسمية، بالنسبة إلى كثيرين من السياسيين، تنافراً مع بيروت وكأنّ الضاحية حبّة ناتئة في وجهها . ومنذ ذلك التاريخ نمّت الضاحية جغرافية خاصة بالمقاومة توصلها إلى أقاصي الجنوب عبر خطّين، واحد يصلها بصور، وآخر يوصلها بالبقاع الزاوية الثانية التي فيها باشرت المقاومة بناء أعشاشها في ثكنة الشيخ عبدالله في بعلبك . وكانت صيدا ومازالت المدينة الساحلية التي تربط العاصمة بالجنوب اللبناني، وهي المدينة الوطنية السنيّة التي دمغت تاريخها بفلسطين والعروبة ومقاومة العدو “الإسرائيلي”، وهي التي أغلقت أبواب أسوارها وأحرقت جسدها، في التاريخ القديم، كي لا يتجاوز أسوارها أحمد باشا الجزّار .
2- كانت شرارة الحرب التي نشبت في لبنان في العام 1975 من منطقة عين الرمّانة، وامتدّت حروباً وأحزاباً وانقسامات لا تحصى، قد تأسّست من دم الشهيد معروف سعد الذي اغتيل وهو على رأس تظاهرة في صيدا . صحيح أنّ صيدا عاصمة الجنوب، خرج منها رياض الصلح الميثاقي ورفيق الحريري الميثاقي العمراني الذي نقل قيده العائلي إلى بيروت قبل خوضه السياسة رسمياً . لربّما كان لديه توجّس من المغالاة التي يظهرها الصيداويون تجاه أمريكا والغرب وبعض العرب . لكنّها بقيت مدينة أو حضن المخيمات الفلسطينية، وهي لم تهتزّ إلاّ عندما أقام فيها الإسلاميون المتشدّدون، ورفعوا من سقوف خطبهم في الشتم والتحدّيات والتسليح إلى ما بات يقلق المدينة واللبنانيين حيال تلك المظاهر المسلّحة المستوردة والازدواجيات السياسية التي عادت تذكّر الجميع بمختلف طوائفهم بمدى الخطر على صيدا والجنوب والاعتداء على الجيش، وصولاً إلى تهديد السلم والاستقرار في لبنان، والتي وضع الجيش نهاية لها خلال الأيام القليلة الماضية .
3- كان مسلحو طرابلس عاصمة الشمال، قبل دستور الطائف، يهددون بالخروج من لبنان نحو سوريا، وبعد ذلك انخرطوا خلف قيادييهم في مقولة لبنان أوّلاً، وجاهروا في مناوأتهم لسوريا المربكة بجروحها ليتبادلوا القتال مع ضاحية أخرى هي جبل محسن . واستمر الانشداد الأمني والمذهبي المتنامي منذ ال ،2005 تاريخ الخروج السوري من لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري، محكوماً بمعضلة التوطين الفلسطيني في لبنان كلّه . لكنّه اختفى ليتّخذ شكلاً أكثر انقساماً على إيقاعات الدم السوري منذ عامين . وقد زاد هذا الانقسام والتسليح، على إيقاعات دخول حزب الله العسكري في سوريا، وتحديداً في القصير، ودعوة السيد حسن نصرالله من يرغب بمقاتلته إلى ملاقاته في البقعة السورية المفتوحة . وعندما تدفّقت شلالات المهجّرين أو المهاجرين السوريين إلى لبنان، نما التوجّس من هشاشة الاستقرار وتجدد الحروب في لبنان، إن طالت أو تفاقمت الأزمة السورية، لأن نتائجها السلبية أو الإيجابية ستنعكس حتماً على الفريقين اللذين يتقاسمان لكنهما يشغلان سياسة لبنان بشكلٍ حاد .
كانت سوريا تكفّلت بترقيع الثوب بالقوة بين 1992 و2005 . تشلّع بعد ذلك دستور المحاور الثلاثة المارونية والسنية والشيعية، ما حوّل لبنان إلى مثلثات تعزّز الفراغ فلا تتساوى أضلاعها، وتنامت تشوّهاتها عند التطبيق، فصارت مربعات أو دوائر مشوّهة عجنت فيها الطوائف الأخرى ووزع فيها النواب والوزراء والصلاحيات والإدارات جوائز ترضية، ولم يعد لشكل الحكم ملامح واضحة، وبدت النصوص الدستورية وجهات نظر . وإذا كان لكل اتفاق روح ونص، فالنص لم يتوضح لا في اتفاق الطائف ولا بعده في الممارسة المستقلّة منذ تسلّم ميشال سليمان الحكم، أما الروح فغائبة كلياً تقريباً، والمشكلة أن الطائف جاء مثل دستور الإيمان إما أن تكون معه أو ضده .
ثمة إجماع عارم على الخوف من تجدد العنف وتكاثر الزوايا والرقع في لباس الدولة، أو غموض المستقبل المثقل بالديون، فما نُفذ من الدستور نفّذ بقوة الخارج، وما لم ينفذ سقط بانتظار نص معدل أو خارج جديد! كلّهم يحلمون بالتغيير لكن يرعبهم تغيير النصوص التي توازي الحروب في لبنان! نعم ترقيع الثوب قد يغطّي الخجل الوطني، لكن ماذا عندما تتجاوز الرقع مساحة الثوب؟
* نقلا عن "الخليج" الإماراتية