.
.
.
.

العثور على المصطلح لا يعني نهاية الحرب

نسيم الخوري

نشر في: آخر تحديث:

لم يكن في مصلحة الولايات المتحدة، بالمعنى الاستراتيجي، مناصرة “إسرائيل” ومساندتها عسكرياً إلى هذه الدرجة القاسية إبان حربها على المقاومة في لبنان في يوليو/تموز 2006 . وبصرف النظر عن حسابات الربح والخسارة، هي لم تكن حرباً بالوكالة، بقدر ما كانت حرباً فجرت الكثير من الحروب والتشظيات والانقسامات التي يبدو أنها مقيمة طويلاً في الرقعة العربية . ولم يكن في مصلحتها، أيضاً، أن تشهد تلك الرقعة هذا الكمّ الهائل، وبجرعة واحدة لا تتجاوز الأعوام الثلاثة، من التحولات والهزات السياسية والعسكرية في الوقت الذي تبدو فيه “إسرائيل” حالمة وكأنها تنأى بنفسها عن كل ما يدور حولها وهي غير معنيةٍ به على الإطلاق . وهنا أستعيد معادلةً شديدة الأهمية أطلقها آيرون ميلر أحد كبار المسؤولين في الخارجية الأمريكية عندما رأى أن “الولايات المتحدة الأمريكية تقع في سياسة خارجية خطرة جداً عندما لا تقيم وزناً لترك بعض الفسوحات الضرورية بينها وبين “إسرائيل” في سياسات الشرق الأوسط” . تلك سياسة غير متوازنة بالطبع، لكنها تراكم وعياً ودهشةً شعبية عربية وإسلامية واسعة مكتومة ستولد صراعات متجددة وطويلة بين الأصيلين والوكلاء في الحروب السورية .

قد يصعب البحث عن مصطلح أو مفهوم أو تحديد موضوعي لما تتجه إليه سوريا حتى الآن . السبب أن أي مصطلح قد يقع في دائرة المواقف السياسية المتناقضة جداً بين الأطراف المحلية والعربية والإقليمية . والموقف هو غير المصطلح تماماً . فالسوريون لا يكابدون “ثورة” كاملة بالمقارنة مع ما حصل من “ثورات” مجهضة أو متعثرة في بلدان عربية أخرى مثل تونس ومصر واليمن وليبيا، أو مع الثورات الملونة الناجحة والمعروفة في التاريخ . وكذلك هم لا يخوضون حروباً أهلية أو طائفية أو مذهبية بحتة بالمقارنة مع الحروب التي حصلت في لبنان، وتركت ندوباً ديمغرافية هائلة، على الرغم من أن البعض وصفها، آنذاك، بأنها حروب الآخرين على لبنان أو في لبنان، أوعلى الرغم أيضاً من اعتبار البعض أن “الثورات” العربية جميعها كانت الأصداء الطبيعية لما عرف ب “ثورة الأرز” المنبع الأول لمجمل المتغيرات . يعيش السوريون شيئاً من كل هذه التوصيفات، وهم انتقلوا الى تكريس الحروب بالوكالة أو بالواسطة تحولت فيها الأطراف المتصارعة الى الدعم الخارجي ليمدها بالمال والسلاح والمقاتلين والمواقف والتقارير والتحالفات .

المفارقة هنا، أن الجهات الكثيرة المقاتلة كما المناصرة للمعارضة السورية بفصائلها وتوجهاتها الكثيرة المتنوعة لم تزح عن اعتبار ما يحصل ثورة مسكونة بإسقاط النظام . وإذا ما شئنا توصيفها، بأنها باتت تخوض حروباً بالوكالة، بمعنى أنها تحصل على المساندة من الدول الكثيرة، فإننا نقدم توصيفاً دقيقاً . ولكن إذا اعتبرنا أن الوكالة تقتصر على الدعم الخارجي مع الافتقار إلى الدعم الشعبي على الأرض يكون التوصيف غير دقيق . وتملأ الحروب بالوكالة صفحات التاريخ، وقد وقعت في القارات الخمس . فالسلاح فيها هو المفتاح “الذهبي” اللامع والسريع يحضر حين نشوب كل المعارك، وأفضل تجارة رابحة عندما تتعسر أو لا تحسم المواجهات المسلحة بين الأطراف . وتختلف الحروب بالوكالة عن الحروب الاستباقية أو الخاطفة التشريحية التي كان العراق وأفغانستان وليبيا أفضل نماذج لها في القرار الدولي . ومن صفات التوكيل أنها تضعف الأصيل وتضاعف قوته في الوقت نفسه، ولهذا فإنها تطيل أمد الحروب وتداعياتها الدموية، لأن العين الشرسة المقاتلة الطامحة الى الانتصار والاستقرار، تصبح أشد شراسةً ودموية، خصوصاً بعدما تقع في أفخاخ هذا الخارج، وتصبح أسيرة له في تطلعاته وسياساته ومصالحه . ومن تداعيات الحروب بالوكالة وأعبائها توسع دوائر الفوضى، بالمعنى الموضوعي، بعدما تتراجع الحكومات وتفقد اعتراف الدول بها . فالمجموعات المتصارعة تفقد هوامشها في إيجاد حلولٍ داخلية، فتشتد المعارك الى تصفيات غير معقولة انتحارية، ويرتفع وقع الخراب، ويستعصي الحصول على قبول أفرقاء الصراع المحليين الذين انغمسوا في القتال حتى ألفوا الموت، كما يستحيل الوصول الى تفاهم أغلبية القوى والأطراف الخارجية المتدخلة في ما يحصل، وحتى إن تم تفاهمها، فقد تبذل تلك القوى الكبرى وفيها أمريكا وروسيا في الموضوع السوري، جهوداً جبارة لفرض إلقاء السلاح ووقف إطلاق النار على الأطراف الداخلية أو المستوردة .

ووفق هذا المناخ الذي يسيطر فيه الخارج متدخلاً وفق استراتيجيات محسومة ودقيقة الدرس، نفهم معنى القول بمصطلح الحرب العالمية الثالثة الذي ارتفع وكاد يطوف على سطح الخطاب العالمي من دمشق حرب تخاض فوق الأرض السورية تعد بالسلم كما تعد بمخاض مشهد إقليمي وعالمي وداخلي سوري جديد . والجديد اصطلاحاً هو إضافة شيءٍ الى القديم، وهنا لب المعضلة ما هو هذا الجديد؟

يظهر الجديد في إطار استراتيجية أمريكية هدفت أساساً الى دحرجة الرؤوس المؤيدة وغير المؤيدة لها مثل سوريا، وبث أو تلقف فكرة الديمقراطية في البلدان العربية، وهي قد تعرف مسبقاً أن الديمقراطية المصدرة تورث الفوضى كما توقظ التيارات الدينية التي تكفلت أنظمتها بقمعها أو بإيحاءات من دول الغرب التي قمعتها بدورها وتأذت من نموها وعدوانيتها . هكذا فتحت الأبواب أمام السلفيين والأصوليين وعملت الدول وفق كلمة سر عالمية على تشجيع التيارات الإسلامية للوصول الى الحكم لتغرقهم في معضلات بلدانهم بما يولد تصادماً ونزاعات بين الأنظمة الجديدة وبينها وبين شعوبها . هكذا تبتعد تلك القوى عن عواصم الغرب التي تحصن من أخطار قيام الإسلاميين والأصوليين والإخوان وغيرهم بأعمال ضدها، إذ سينهمك هؤلاء كلياً في قمع الشعوب مجدداً، بل ترى، أبعد من ذلك، أن هؤلاء سيقومون بتفجيرات وأعمال تخريبية ضد الأنظمة الجديدة القائمة والتابعة للغرب، خصوصاً عندما يجدون أنفسهم في الحكم عاجزين عن تأمين معيشة الناس في هذه الأنظمة، فيجدون أنفسهم مضطرين إلى الوقوف على أبواب واشنطن يستجدون المساعدات والمال، وإن أفشلتهم شعوبهم ولفظت نهجهم في الحكم فالجيوش في كل هذه الدول سلّحتها واشنطن وتحتاج إلى واشنطن مجدداً . لكن . . . لا بد من إعادة قراءة المقال تكراراً لما قاله آيرون ميلر في السياسة الأمريكية قبل العثور على توصيف نهائي ل “الثورات العربية” .

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.