.
.
.
.

المشروع الأوروبي في الانتخابات الألمانية

رغيد الصلح

نشر في: آخر تحديث:

لم يتفاجأ متابعو الانتخابات الألمانية بنجاح أنجيلا ميركل والائتلاف المسيحي الديمقراطي الذي تتزعمه . ولكن حجم النجاح شكل مفاجأة للكثيرين منهم، إذ إن تأييد الناخبين والناخبات للمستشارة الألمانية ارتفع بشكل ملحوظ بالمقارنة مع نتائج الانتخابات الماضية . وخلافاً للنتيجة الأخيرة، فقد توقع مراقبون أن يتراجع مستوى التأييد لميركل بسبب أزمة اليورو وتراجع التأييد للاتحاد الأوروبي والحملات الصاخبة ضد الهجرة، خاصة من الدول العربية وتركيا إلى ألمانيا . وحمل البعض ميركل مسؤولية تفاقم أزمة اليورو التي تجاوزت حدود المشكلة الاقتصادية المؤقتة لكي تتحول إلى مناسبة تستغلها الجماعات اليمينية المتطرفة ضد الأحزاب الديمقراطية والمعتدلة .

ففي إطار مشكلة اليورو تفاقم صدام المصالح بين الدائنين والمديونين في دول اليورو، وارتفع إلى مستوى الأزمة العامة ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية . وكان من أسباب التفاقم أنه تطابق مع خطوط التوتر المتصاعد بين القطاع الخاص والطبقات المتوسطة والعاملة، وبين أحزاب اليسار واليمين، وبين الفيدراليين الأوروبيين وبين خصوم المشروع الأوروبي، وأخيراً لا آخراً بين الدول الأعضاء في وسط وشمال أوروبا التي تتمتع بارتفاع المداخيل وقلة المديونية، ودول جنوب أوروبا التي تشكو من الضغوط المالية وارتفاع المديونية . واشتدت الأزمة عندما بوشر البحث في طرق ووسائل التغلب عليها .

هنا ظهر الافتراق الحاد بين حكومات الشمال والوسط التي دعت إلى اتباع سياسة تقشفية تنتهي بتسديد الديون المتفاقمة، وبين حكومات الجنوب التي طالبت بمزيد من الإنفاق الحكومي من أجل خلق الانفراج الاقتصادي بما يمكّن الدول المديونة من تسديد الديون . وارتدى الجدل حول هذه المسألة طابعاً خارجاً عن المألوف بعد أن اكتسى بالأردية العنصرية والشوفينية . ففي الشمال والوسط انتشرت النعوت العدائية للجنوبيين “الكسالى”، و”غير المنتجين”، الذين “يريدون أن يتكسبوا على حساب الغير” . وفي الجنوب تم اتهام الشماليين والوسطيين بالعجرفة وبنهب الآخرين وحرمانهم من مواردهم . وسط هذه الأجواء المتوترة، انتعشت آمال المشككين بالمشروع الأوروبي وكثرت التوقعات باقتراب أجل اليورو وبتفكك منظومته، وذلك كمقدمة لتفكك الاتحاد الأوروبي نفسه .

في الصراع الدائر حول اليورو والاندماج الأوروبي، كان هناك ما يشبه التفاهم بين الحزبين الرئيسين في ألمانيا، أي الديمقراطي المسيحي والاشتراكي الديمقراطي على دعم المشروع الأوروبي . فكل من الحزبين يرى في هذه الفكرة خلاصاً لألمانيا من النزعة القومية المتطرفة والعدوانية وتخليصاً لأوروبا من تفاعلات هذه النزعة، وأثرها المظلم في العلاقات الألمانية - الأوروبية . لم تكن ميركل بعيدة عن الاقتناع بهذا الموقف المشترك للحزبين، ولكنها في نفس الوقت لم تظهر حماساً خاصاً للاتحاد الأوروبي أو لمنطقة اليورو . بالعكس كانت في بعض الأحيان تعبر عن تبرمها تجاه هاتين الفكرتين .

كانت ميركل قبل سنوات تؤيد توسيع صلاحيات المفوضية الأوروبية في بروكسل . وبينما كانت في الماضي تطالب “بالمزيد من أوروبا وليس بالقليل منها” باتت تدعو اليوم إلى القليل من أوروبا . وفي مناقشاتها لأزمة اليورو تعلن أنه لم يكن من خطأ في العمل على تحقيق فكرة العملة الأوروبية الموحدة، ولكن الحسابات غير الدقيقة أدت إلى تطبيقها قبل أن يحين موعدها . هل يعني هذا الموقف المتحفظ أن نجاح ميركل الباهر يعني نجاحاً لفريق المشككين بالمشروع الأوروبي؟

كلا . . ذلك أن ميركل، رغم التحفظات التي تعبر عنها بين الفينة والأخرى، لعبت دوراً مهماً وحاسماً في إنقاذ اليورو من أزمته . فعندما جاءت الساعة الحاسمة لتقديم مساعدات إلى دول الجنوب وإلى البنوك الأوروبية التي شارفت على الإفلاس، وأعلن رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي أن البنك سوف يذهب إلى أبعد مدى من أجل إنقاذ اليورو من الانهيار، كان يعتمد على دعم ميركل القوي له . علاوة على ذلك اقدمت ميركل على تبني وتفعيل خطوات متعددة لتعزيز آليات الإشراف الاتحادي على اقتصاد الدول الأعضاء في منطقة اليورو . وعلى الرغم من أن البعض اعتبر أن ميركل اتخذت هذه الخطوات لأنها تريد أن تضمن قيام هذه الدول الأخيرة بتسديد الديون إلى بنوك دول الشمال والوسط في الاتحاد، ومن بينها بالطبع البنوك الألمانية، فإن هذه الخطوات فتحت الطريق أمام تمتين بل وإنشاء المزيد من المؤسسات الاتحادية الأوروبية لضبط اقتصاد منطقة اليورو . وفي ذلك كله لم يغفل المتابعون لقضية اليورو النتائج السياسية البعيدة المدى لتلك الإجراءات والقرارات، ولم يتردد بعض المسؤولين الأوروبيين من المصارحة بأن هذه الإجراءات مثل تأسيس اتحاد للمصارف الأوروبية لن يحقق نفعاً حاسماً من دون مؤسسات سياسية مناسبة، ومن دون الارتقاء بما هو قائم منها مثل تطوير البرلمان الأوروبي .

إن نجاح ميركل في الانتخابات الألمانية لا يعني بالضرورة نجاحاً للمشروع الأوروبي . ولكنه من المؤكد أنه لا يشكل خذلاناً لهذا المشروع، وهو دليل على أن الذين ساندوا المستشارة الألمانية بحماس فحولوها إلى زعيمة القارة ليسوا معادين للمشروع الأوروبي ولا هم من المتحفظين عليه .

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.