.
.
.
.

ماذا حدث في إقليم كردستان وجنوبه؟

وفيق السامرائي

نشر في: آخر تحديث:

على الرغم من تعرض المؤسسات الحكومية المحلية والحزبية لضربات مؤلمة سابقة، تميزت بحدوث اختراقات عميقة، وصلت إلى مراسم خاصة لقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، فإن الإقليم لم يشهد هجمات مهمة منذ فترة طويلة، وجاءت هجمات الأحد الماضي لتثبت استحالة بقاء جزء من العراق آمنا ومستقرا، إذا لم يتمتع الكل بالأمن بوصف متقارب من القياس، مهما اتخذ الإقليم من تدابير تحت مفهوم العزل، كإجراءات أمنية صارمة على الداخلين من المدن العراقية الأخرى، حيث يتطلب البقاء لفترة غير محددة الحصول على إقامة سنوية بموجب ضوابط أمنية ليس بالضرورة أن تكون معززة لأمن الإقليم، لأن حركة أنصار الإسلام القريبة إلى تنظيم القاعدة مثلا كانت بالأساس كردية الهوية والمنشأ والتكوين.

عملية الأحد استهدفت مقار سيادية شملت مبنى وزارة الداخلية ومبنى الأمن العام ومبنى مجلس الوزراء بوسائل مختلفة، أهمها هجمات انتحارية بسيارات مفخخة، وسيارات إسعاف لم تعرف من أين جرى الحصول عليها. وحدثت الهجمات في أهم شارع من مركز مدينة أربيل عاصمة الإقليم، ضمن منطقة حظيت بتحصين بالغ التركيز والتشديد والأهمية، في ظروف تميزت بحراك سياسي، جعل الشكوك مطروحة ومفتوحة على كل الاتجاهات، منها فتح الحدود أمام تدفق أعداد ضخمة من كرد سوريا، وتمركز معظمهم في أربيل ودهوك الواقعتين ضمن نفوذ بارزاني، مع أن المنطق يفرض ترجيح فرضية العداء مع تنظيمات متشددة كانت قد أوقفت نشاطاتها لسبب ما.

وأيا كانت التصورات فإن رئاسة الإقليم ستضطر إلى مراجعة حساباتها في محاور عدة، منها تدخلاتها في الشأن السوري، والتلويح بالدخول على خط الصراع بين الجماعات المسلحة تحت لافتة الدفاع عن كرد سوريا، رغم التعقيدات المحلية والإقليمية والدولية، وكذلك العلاقات المتشنجة مع بغداد والعزلة في التنسيق الأمني، وتشدد الإقليم في استقلال الملف الأمني. ولا بد من مراجعة قصص التاريخ، لاستذكار مواقف دول الجوار العراقي ومصالحها الاستراتيجية التي لا يمكن التغافل عنها، والتخوف السابق من التدخلات الخارجية ينبغي استحضاره على الدوام، حتى لو تأكد أن ما حدث الأحد كان شأنا داخليا قد يتصل بالوضع السوري.

الهجمات الأخيرة تعكس وجود قدرة على الإخلال بالأمن، والتأثير على العلاقات السياسية، وإضعاف الثقة برئاسة الإقليم، ووقف حالة النمو والاستثمار. وستكون التداعيات أكثر خطورة إذا ما تكررت الهجمات، لأن ردود الفعل كانت مؤثرة على الحياة العامة، وأصابت المدينة بشلل مؤقت. وقياسا إلى ما يحدث في مدن العراق الأخرى، فإن حالة رد الفعل المركزي في بغداد وغيرها كانت أكثر هدوءا في مواجهة الصدمات، ربما بسبب التجارب الطويلة. ومع أن توقع حدوث هجمات أخرى يعد ألف باء مبادئ الأمن، فإن عمليات بهذه السعة تتطلب تحضيرات تحتاج إلى وقت طويل.

بعض السياسيين والمحللين الكرد يحاولون ربط الهجمات بالتشكيك في نتائج الانتخابات، ولا يبدو الربط قويا، رغم ما قيل عن بعض حالات عدم الانضباط، فالمسألة أكثر بعدا، والانتخابات أفرزت وقائع صعبة. فغياب الرئيس طالباني أثر كثيرا على وحدة القيادة في حزبه العريق الاتحاد الوطني الكردستاني، والانشطار الناجم عن استقلالية جناح كبير وفعال من الاتحاد تحت كيان التغيير بقيادة نوشيروان مصطفى، الشخصية الكبيرة المعروفة، أدى إلى فوز حزب مسعود بارزاني، مع أنه لم يتمكن من كسب أصوات جديدة من أي طرف آخر. مما يفرض تشكيل حكومة «توافق»، على غرار حكومة التوافق العراقية التي يصر عليها الكرد في بغداد، فهي أكثر مثالية لكردستان من بغداد، لأنها ستترك أثرا على المواقف السياسة حصرا من دون إفرازات على الوضع المجتمعي.

العراقيون في حاجة إلى قراءة التجارب الديمقراطية الغربية، فحالات الفشل في الانتخابات تدفع بقيادات شابة جديدة إلى الواجهة، وليس الاستدارة والمناورة للحصول على مواقع وزارية وسيادية، وعلى حكومة بغداد الانتباه هذه المرة إلى مفاصلها السيادية، بما يعزز الاندماج مع محيط الهوية التي لا مجال لتجاهلها تحت أي ظرف، ولا مجال للتوافقات فيها. فالمسؤول الذي يفشل في الانتخابات لا يجوز أن يصبح محافظا أو وزيرا.. وفقا لمساومات ومصالح سياسية. فهل يفهم العراقيون أن الأمن منظومة واحدة متكاملة، وأن السياسة ليست لعبة منافع، والتلاعب بثروات البلد لا تغطيه شعارات معارضة المصالح والضجيج؟

* نقلا عن "الشرق الأوسط" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.