تركيا و"الجدار العازل" في النفوس
وصف أكراد تركيا وسوريا الجدار الذي تقيمه تركيا في منطقة نصيبين على الحدود مع سوريا ب”جدار العار” . سيمتد الجدار عدة كيلومترات وبارتفاع مبدئي يقارب المترين . وقد بدأت أعمال الحفر الفعلي لإنشائه الحجة التركية للجدار أنه لمنع تسلل المواطنين من سوريا في منطقة مزروعة بالألغام وبالتالي لتفادي موتهم .
بطبيعة الحال، فإن أكراد تركيا خصوصاً غير مقتنعين بذلك، ويرون أنه أنشئ بعدما باتت المنطقة الكردية في سوريا، ولا سيما عند نصيبين، تحت سيطرة مقاتلي “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي السوري المؤيد لحزب العمال الكردستاني . وفي تلك المنطقة غالباً ما يتلاقى الأكراد من على جانبي الحدود وأغلبيتهم من ذوي القربى .
الحرب والفوضى في سوريا منذ ثلاث سنوات انتجت ظواهر وحالات جديدة . من هذه الحالات بروز فرصة للتلاقي المباشر الجغرافي والسكاني بين أكراد تركيا وسوريا . وإذا كانت بعض هذه الظواهر غريبة وخطرة، فإنه بالنسبة إلى تركيا ليس هناك أخطر من المياه التي تجري تحت الملف الكردي في سوريا وفي المنطقة عموماً .
ذلك أن تركيا تتحكم فيها “فوبيا كردية” لا أحد يتصور عمقها من احتمال توحد الأكراد في دولة تمتد على أجزاء من مساحة تركيا والعراق وسوريا وإيران .
وهي استمرار للذهنية الموروثة منذ نهاية العهد العثماني وتجذّرت مع انشاء مصطفى كمال أتاتورك للجمهورية في العام 1923 التي لم تتغير على امتداد عقود ما بعد أتاتورك . وكانت سمتها الأساسية إنكار الهوية الكردية واعتبار الأكراد من أصول تركية، ومحاولة تغيير البنية الديموغرافية العرقية للمناطق الكردية في جنوب شرق تركيا عبر قانون يهجر الأكراد من أماكنهم وإحلال جماعات تركية بدلاً منهم .
لم يكن الحراك الكردي في العصر الحديث حكراً على أكراد تركيا، إذ إن المسألة الكردية في العراق تحديداً كانت تتحرك بقوة وبلغت ذروتها في العام 1970 مع منح العراق تحت حكم البعث للأكراد حكماً ذاتياً لم يعرف تطبيقاً جاداً له . ومع الاحتلال الأمريكي للعراق تغير كل شيء ونال الأكراد فيدراليتهم التي هي أقرب إلى دولة مستقلة محققين كل ما يتطلعون إليه من ترجمة للهوية ثقافياً وسياسياً وجغرافياً .
ومع أن حزب العدالة والتنمية في تركيا جاء منذ العام 2002 بعناوين إصلاح كبيرة غير مسبوقة غير أنه بعد مرور 11 عاماً لم يتقدم قيد أنملة في المسألة الكردية وفي المطالب الجوهرية للأكراد . وكل ما قدمّه حتى الآن لا يعدو ما يشبه بعض السكاكر التي تقدم للأطفال فيما هم يحتاجون إلى الحليب والفيتامينات .
وهكذا تبدو تركيا، الأكثر توغلاً على طريق الحداثة بسبب علاقاتها بالاتحاد الأوروبي، أكثر تخلفاً عن العراق الغارق في حروب ونزاعات أهلية في ما يتعلق بالمسألة الكردية .
وهناك مفارقة لافتة هي أن تركيا التي رفعت شعار إزالة النظام في سوريا لم تهدد يوماً بالدخول العسكري إلى سوريا حتى بعد إسقاط الدفاعات السورية لطائرة حربية تركية في يونيو/حزيران ،2012 في ما رفعت تهديد التدخل العسكري للمرة الأولى بعدما نجح مقاتلو حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا السيطرة في مطلع صيف 2012 على معظم المنطقة الكردية في سوريا التي يطلق الأكراد عليها اسم “روجافا” .
كل القضايا تبقى عرضة للحل بطريقة او بأخرى إلا ثقافة العزل والفصل العنصرية التي كانت “إسرائيل” ولا تزال نموذجها عندما أقامت جدار العزل في الضفة الغربية لتفصل الفلسطيني عن أخيه ولتنعزل “إسرائيل” العنصرية خلف جدران أسمنتية لن تحميها من نفسها وسياساتها العنصرية . وكم هو مؤسف ومحزن أن نرى دولة مسلمة مثل تركيا تطبق السياسة العنصرية في مجال الفصل ليس بين التركي والسوري، بل بين الكردي والكردي في خطوة لم يشهد المسلمون مثيلاً لها من قبل .
وتزداد معاني المأساة عندما نتذكر أن وزير الخارجية التركي نفسه أحمد داود أوغلو كان يتحدث قبل اندلاع الأزمة في سوريا عن “الحدود المصطنعة” بين دول الشرق الأوسط التي كانت تشكل سابقاً الدولة العثمانية، وضرورة إزالتها لإقامة حوض مشترك من التعاون السياسي والاقتصادي ليتبين اليوم زيف هذه الدعوة التي لم يكن من هدف لها سوى تعزيز النفوذ التركي على حساب مصالح شعوب المنطقة .
والجميع لا يزال يتذكر صورة داود اوغلو ونظيره السوري وليد المعلم وهما مع وزراء آخرين من البلدين يرفعون بصورة رمزية الحاجز الجمركي عند معبر باب الهوا على الحدود . وفي نظرة إلى اليوم نجد أن المطالبين بإزالة الحدود هم أنفسهم يبنون جداراً يفرق ويقسّم ويزرع في النفوس عُقداً تتوارثها الأجيال فتتحول إلى جدران غير مرئية أعلى بكثير وأطول بكثير من جدار أسمنتي يقام هنا أو هناك .
* نقلا عن "الخليج" الإماراتية