في مستقبل الاتحاد الخليجي
في خضم المناقشات التي أثارها مقترح توحيد المؤسسات العسكرية لدول مجلس التعاون الخليجي والتداعيات المحتملة لهذه المقترحات على مستقبل مجلس التعاون الخليجي واحتمال تحوله إلى اتحاد على غرار الاتحاد الأوروبي، يتذكر المرء فصلاً مماثلاً من المناقشات التي أطلقها في مطلع الخمسينات مشروع "الجيش الأوروبي" . ولقد تبلور ذلك المشروع في توقيع معاهدة دفاع مشترك بين فرنسا وألمانيا ودول البنيلوكس لإقامة "أسرة الدفاع الأوروبي" . كان المسوغ إلى قيام هذه الأسرة شبيها بالمسوغ الذي يدفع قيادات خليجية إلى التفكير بنوع من الوحدة العسكرية الخليجية: فكما كانت أوروبا الغربية تخشى آنذاك التحدي السوفييتي، فهناك الآن خشية من التحدي العسكري الإيراني .
وعاش مشروع الوحدة العسكرية الأوروبية الجيش الأوروبي فترة قصيرة من الوقت لكي ينتهي عام 1954على يد البرلمان الفرنسي الذي رفض المصادقة على المعاهدة . فأكثرية أعضاء المجلس التي كانت تتكون آنذاك من الديغوليين والشيوعيين الذين خافوا من أن تنال المعاهدة من سيادة فرنسا واستقلالها . ومع نهاية هذا المشروع خيل للكثيرين ممن كانوا يتابعون السياسة الأوروبية أن المشروع الأوروبي قد انتهى .
هذه التوقعات لم تكن بالطبع في محلها . فبعد ثلاث سنوات ولدت السوق الأوروبية المشتركة لكي تتحول بعد سنوات عديدة إلى اتحاد أوروبي . أما فكرة الجيش الأوروبي والوحدة العسكرية الأوروبية فإنها لم تمت، إذ إن العمل جار على تحقيقها، ومن المتوقع أن تكون مادة رئيسية لمناقشات القمة الأوروبية المقبلة خلال الأسبوع المقبل . فهل يكون مصير مشروع الاتحاد الخليجي، خاصة على الصعيد العسكري والأمني، شبيها بمصير الجيش الأوروبي؟ أي مرحلة من التعثر تتخللها مداولات واسعة بين الزعماء الخليجيين لكي تنجلي عن مرحلة جديدة من التفاهم بينهم وانطلاقة جديدة للمشروع الخليجي .
إن مستقبل مشروع الاتحاد الخليجي يتوقف على عدد من الاعتبارات يأتي في مقدمتها الاعتباران التاليان: الأول هو استجابة عدد من الدول الخليجية إليه . وكما تقول التجربة الأوروبية، فإن الدول التي وافقت على معاهدة روما التي أسست السوق المشتركة ضمت أقلية ضئيلة من دول أوروبا، كما أن دولة أوروبية مهمة مثل بريطانيا رفضت الانضمام إليها . وكما هو الأمر في أوروبا فإنه كذلك في أمريكا اللاتينية، إذ إن عدد الدول الأعضاء التي أسست سوقها المشتركة (ميركوسور) لم يزد على أربع دول من أصل 13 دولة . وفي آسيا لم يزد عدد الدول التي أسست رابطة دول جنوب شرق آسيا على ست من أصل 42 دولة .
رغم ذلك، فإن هذه التكتلات التي بدأت صغيرة العدد، تطورت وتعمقت، بحيث أصبحت لاعباً مهماً على المسرح الدولي يحسب حسابه . بالمقارنة، فإن قيام الاتحاد لا يشترط، نظرياً على الأقل، موافقة دول الخليج كافة على الانضمام اليه . وإذا تمسكت سلطنة عمان برفض الانضمام إلى مشروع الاتحاد الخليجي، فإنه من الممكن الاستمرار في المشروع إلى أن تنضج ظروف جديدة تقنع عمان بتغيير موقفها منه والانضمام إليه .
الاعتبار الثاني والمهم الذي يؤثر في مستقبل مشروع الاتحاد الخليجي يرتبط بتقييم مدى قدرة هذا الاتحاد على تحقيق الغاية الرئيسية منه، وهي ضمان أمن الخليج واستقلاله . فلدول الخليج مخاوف مشروعة ناجمة عن الخلل في موازين القوى الإقليمية بين إيران من جهة، ودول الخليج، من جهة أخرى . فعدد سكان إيران البالغ 76 مليون نسمة يفوق بمرات عدد سكان دول الخليج . ويبلغ عديد القوات العسكرية الإيرانية قرابة 770 ألف جندي، أي ما يفوق أضعافاً عديد قوات دول الخليج . وتتفوق دول الخليج على إيران من حيث إنفاقها العسكري، إلا أن معظم هذا الإنفاق يتجه إلى الحصول على أسلحة دفاعية، في حين أن إيران تحصل على أسلحة دفاعية وهجومية معاً . يضاف إلى ذلك كله أن دول الخليج تظهر قلقاً متزايداً من ميل طهران إلى تعزيز نفوذها الإقليمي، خاصة في العراق وسوريا ولبنان . في ظل موازين قوى من هذا النوع، يتساءل البعض عن الأثر الذي يتركه قيام الاتحاد على واقع العلاقات الخليجية، هل يحسن تحويل المجلس إلى اتحاد ميزان القوى الإقليمي بين إيران ودول الخليج العربية؟
يجيب جون أنطوني الباحث في مركز الإمارات للدراسات والأبحاث الاستراتيجية، بالتركيز على أهمية معاهدات الأمن الثنائية التي عقدتها دول الخليج مع الدول الكبرى كعامل في الحفاظ على أمن هذه الدول واستقلالها . ولكن التوصل إلى هذه المعاهدات لا يحتاج إلى تأسيس إطار جماعي للعلاقات الخليجية مثل مجلس التعاون أو الاتحاد الخليجي . يذهب الباحث سامي المطيري في دراسة الماجستير التي أعدها للكلية البحرية للدراسات العليا في ولاية كاليفورنيا، إلى أكثر من ذلك، أي إلى القول إن هذه المعاهدات تضعف التكتلات الإقليمية مثل مجلس التعاون وتعرقل تطويرها .
بعد الاتفاق الأخير الذي تم بين الولايات المتحدة وإيران والمخاوف التي أثارها، ذهب البعض إلى القول إن قصور المعاهدات التي عقدتها دول الخليج مع دول الغرب لا يعود إلى خطأ فكرة عقد التحالفات الخليجية الدولية، ولكن إلى الخطأ في اختيار الشراكات الدولية التي اختارتها دول الخليج . استطراداً تحدثت أوساط خليجية عن احتمال التوجه إلى الهند أو الباكستان أو اليابان بقصد عقد تحالفات أمنية معها . لقد أجاب سلمان خورشيد، وزير الخارجية الهندي، بنفي أي دور تلعبه بلاده على هذا الصعيد، كما قال إن إشراك أية قوة مثل الصين أو اليابان في حماية أمن الخليج لن يكون مفيداً لشعوب المنطقة .
لعله بإمكاننا أن نستنتج من ذلك كله أن تحول مجلس التعاون إلى اتحاد من شأنه أن يحسن موازين القوى الخليجية وأن يسهم في تحقيق الاستقرار، إنه خطوة أكيدة على طريق النهوض بالنظام الإقليمي العربي . فخلال ما يزيد على نصف قرن من الزمن، لعب النظام الإقليمي العربي دوراً مهماً في ضمان الأمن العربي العربي، أي الحيلولة دون وقوع حروب بين الدول العربية كما كان الأمر بين الدول الأوروبية . كذلك أسهم النظام الإقليمي العربي في التخفيف من حدة الصراعات مع تركيا . لم ينجح النظام الإقليمي العربي في منع الحرب بين العراق وإيران، ولكنه نجح في دعم العراقيين حتى تمكنوا من التوصل إلى معاهدة وقف إطلاق نار مع طهران .
وأخفق النظام الإقليمي العربي في إحباط المشروع الصهيوني، وفي احتواء التوسعية "الإسرائيلية" . ولكن علينا أن نذكر دوماً أن مفاعيل القوة "الإسرائيلية" كانت أكثر خطورة وتهديداً لمصالح العرب بكثير كلما ضعف النظام الإقليمي العربي، بينما تمكن العرب من تحقيق نجاحات عسكرية وسياسية مهمة، كما حدث في حرب أكتوبر/تشرين الأول، كلما تمكنوا من تعميق التعاون الإقليمي فيما بينهم . وفي الخليج العربي، لا نحتاج إلى تنمية النظام الإقليمي العربي من أجل خوض حرب ضد إيران، بل بالعكس، إلى تحقيق سلام دائم قائم على مبادئ العدالة الدولية واحترام متبادل للمصالح المشروعة العربية والإيرانية .
* نقلا عن "الخليج" الإماراتية