مبروك
مبروك. أخيراً، بعد طول أخذٍ وردّ وجدالات ونقاشات، هبط الوحي. وهبطت الحلحلة. وهبط الحلّ على مجلس الوزراء الذي تخوّف كثيرون من أن يكون الأخير لهذه الحكومة التي واجهت من الصعوبات والتعقيدات، ما لم تعرف مثله حكومات سابقة. والتهنئة بالدرجة الأولى للرئيس الصبور الصامد تمّام سلام، ثم الشعب اللبناني الذي ذاق الأمرّين خلال هذه المرحلة الصعبة.
كانت الأزمة بالنسبة إلى البيان وفريقي آذار كامنة تعقيداتها في صياغة جملة مفيدة، أو عادية تَفي بالمطلوب ليُفرَج عن البيان، وتتوجّه الحكومة مع "المولود" الجديد المدلّل إلى ساحة النجمة حيث تتمّ العمادة، والتصويت على الثقة.
وانتهت الأزمة ذاتها بتغيير كلمتين فقط لا غير.
طبعاً، بعد مناقشة البيان المقتضب، وانهمار الخطب الطنّانة الرنّانة على الحكومة ورئيسها تمّام سلام الذي شارف بدوره تقديم استقالته... والسلام عليكم ورحمة الله.
فُرِجَت، وانفرجت الأسارير. وانهالت التهاني بالجملة والمفرّق من داخل الحدود المُباحة وعبر البحار السبعة، وصولاً إلى الشرق الأقصى.
والخلاصة في العِبرة، وفي الجهود التي بذلَها الرئيس ميشال سليمان والرئيس نبيه بري والرئيس تمّام سلام، والرئيس سعد الحريري، ووليد بك جنبلاط الذي كان أكثرهم إحاطة بمخاطر عدم التوصّل إلى صيغة توافقيّة... وسط هذه الغابات الفالتة التي تحيط بلبنان من الجهات الأربع.
وقد يكون مَثَل لا يموت الديب ولا يفنى الغنم ينطبق نصاً وروحاً على "المخرَج" الذي أدّى إلى ولادة الحل، واستناداً إلى شعار صائب بك سلام "لا غالب ولا مغلوب"، والذي أُطلق قبل عقود وكان منطلقاً للنأي بلبنان عن الخلافات الإقليميّة، كما الأخويّة، والابتعاد عنها بمختلف الوسائل، وأياً يكن الثمن باعتبار ذلك أفضل بزمانات من الغرق في بحورها، أو الاحتراق بنيرانها.
إذاً، يكفي ما زرعنا وما حصدنا. لحد هون وبس. ولنعُد جميعاً إلى تقاليد لبنان وأعرافه وعاداته وسياساته الداخلية التي طالما وفّرت لبلد الثماني عشرة طائفة مناخاً وحدوياً، وتفاهماً ميثاقياً، واستقراراً ضُرِبَت به الأمثال، وجعل ذلك اللبنان وبيروته "محجّة" عربيّة ودوليّة، نادراً ما عرف مثلها بلد في العالم.
والآن إلى الثقة عاجلاً وسريعاً. فالبلد في وضع لا يُحسد عليه، ولا يحتاج الرئيس سلام والوزراء إلى مَن يصف لهم كيف تخلو الأسواق والشوارع والأحياء والطرق حين تنتشر الظُلمة، وكأن الناس قد هاجروا دفعة واحدة... وهَجَروا لبنانهم.
حصل خير، ولو متأخّراً. وعلى الخطباء والمناقشين، منذ الآن الاختصار في مناقشة بيان نوقش حتى سال عرقه إرهاقاً.
التعجيل في منْح الثقة هو المطلوب الآن، ومعه ترحيل كل المواضيع الخلافيّة إلى طاولة الحوار.
* نقلا عن "النهار" اللبنانية