.
.
.
.

عقوبات إسرائيل على الفلسطينيين.. وكسر قواعد اللعبة

نشر في: آخر تحديث:

بعد خطوة "حجز عائدات الضرائب الفلسطينية"، تبحث الحكومة الإسرائيلية المصغرة، الأربعاء، في "سلة العقوبات" التي تشمل، إضافة إلى أموال الضرائب، سحب بطاقات الشخصيات الهامة التي يتحرك بواسطتها المسؤولون الفلسطينيون.

وجمع معلومات حول القيادات الفلسطينية ومقاتلي الفصائل الفلسطينية لتقديم دعاوى قضائية لمحكمة الجنايات الدولية في لاهاي (من خلال منظمات إسرائيلية غير حكومية، لأن إسرائيل لم تنضم لمحكمة الجنايات ولم تصادق حكومتها على اتفاقية روما التي وقعتها مبدئيا فقط)، إضافة إلى تجميد جميع المشاريع الاستثمارية والاقتصادية في مناطق (ج) الخاضعة بالكامل للسيطرة الإسرائيلية،وصولا إلى التلويح بضم "كتل الاستيطان الثلاث الكبرى" في الضفة الغربية لإسرائيل.

وإحالة القانون الإسرائيلي عليها، قد يكون لافتا هذه المرة، بأن إسرائيل قد لا تطلق حملات استيطان ضخمة كما فعلت عام 2012 عند الاعتراف بفلسطين "دولة غير عضو" في الأمم المتحدة، تجنبا لإغضاب واشنطن المتناغمة مع الموقف الإسرائيلي من الخطوات الفلسطينية الأخيرة على الساحة الدولية، هذا التناغم يصل حد مبادرة أعضاء في الكونغرس الأميركي بدمج إسرائيل في تشريع أميركي يمنع تسليم أو محاكمة جنود أميركيين في محاكمات دولية بأي ثمن يسمى The Hague Invasion Low.

من الواضح أيضاً أن إسرائيل لن تنفذ "عقوباتها" دفعة واحدة وإنما بالتقسيط المريح، ومن السهل إلى الصعب، منعا لكسر قواعد اللعبة، فهي لا تريد أن تضطر السلطة إلى وقف "التنسيق الأمني" على الأرض، ما قد يغير الواقع دراماتيكيا ويؤدي إلى إنهاء السلطة الفلسطينية، ومن هنا فإن "حل السلطة" هو سلاح فلسطيني بامتياز، وعلى الرغم من أن القيادة الفلسطينية الباحثة عن الدولة والاستقلال، ليست معنية في حقيقة الأمر بانهيار السلطة والمؤسسات الفلسطينية، فإنها تملك "سلاح يوم القيامة" كما يسمى في إسرائيل، التي لا تريد أن تعود لتحمل المسؤولية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والخدماتية عن ملايين الفلسطينيين في الضفة الغربية، ما قد ينهك خزينتها بفاتورة باهظة لاحتلالها، وعلى الرغم من عمق الأزمة الحالية لا يبدو أن الطرفين قريبان من لحظة كسر قواعد اللعبة تماماً حاليا.

العقوبات سلاح ذو حدين

لم يكن مفاجئا أن يلوح الرئيس الفلسطيني بمعاودة الكرة بالتوجه لمجلس الأمن مرات إضافية إذا تطلب الأمر، فالتجارب السابقة "للعقوبات" الإسرائيلية، خاصة الاقتصادية منها، بين أنها عاجزة عن ثني الفلسطينيين وتغيير سياستهم، مثلا لجأت إسرائيل مرتين على الأقل إلى عقوبة حجز الضرائب التي تجبيها نيابة عن السلطة،ففي العام 2012 بعد "الاعتراف بفلسطين دولة غير عضو في الأمم المتحدة"، قامت إسرائيل بفرض العقوبة ذاتها، فلم تقد إلى ردع السلطة عن المضي في "تدويل القضية"، واضطرت إسرائيل إلى التراجع عنها بعد فترة قصيرة تحت ضغوط دولية.

وقبلها بعام، حجزت الأموال الضريبية أيضاً عقابا لاتفاق المصالحة بين فتح وحماس، وتراجعت عنه، فلا يغيب عن حسابات الإسرائيليين أن مثل هذه العقوبات قد تتحول إلى سلاح ذي حدين، أمنيا وسياسيا وحتى اقتصاديا، فإسرائيل مقتنعة مثلا بأن في أسباب الحرب الأخيرة على غزة كان منع "السيولة" النقدية عن حكومة حماس لدفع أجور الموظفين في غزة، وما يمكن لإسرائيل أن تحتجزه شهريا من أموال "السلطة" من 400-500 مليون شيكل إسرائيلي هو أقل بقليل فقط مما تحتاجه السلطة لدفع أجور الموظفين، بمن فيهم العاملون في الأجهزة الأمنية، وعلى الرغم من الاعتقاد بأنها لن تفجر الوضع ميدانيا فإن غياب الأجور قد يفعل ذلك بدون قرار مركزي.

ويمكن للسلطة أن تفرض "عقوبات اقتصادية" على إسرائيل في حال وجدت بديلا عنها، فالسلطة تستورد 72% من المنتجات الصناعية والبضائع من مصانع وشركات إسرائيلية بقيمة 2.75 مليار دولار سنويا، وتصدر لإسرائيل ما قيمته 750 مليون دولار سنويا.

بدائل السلطة الفلسطينية

البديل المتطرف الذي تملكه السلطة كما سبق وشرحنا، هو حل نفسها وتسليم المفاتيح للاحتلال الإسرائيلي، لكنها تملك بدائل فيما يتصل بالعقوبات الإسرائيلية الاقتصادية على الأقل، نظريا على الورق، فيمكن أن تعوض دول عربية وأوروبية غنية السلطة عن "أموال الضرائب" التي تحتجزها إسرائيل خلافا للقانون الدولي واتفاقية باريس الاقتصادية من العام ١٩٩٤، فالسعودية تحول 20 مليون دولار شهريا لسد العجز في موازنة السلطة، وصندوق النقد الدولي حول 31.6 مليون دولار في ديسمبر الماضي، كما أن هناك قرارا اتخذ في جامعة الدول العربية بمنح السلطة مئة مليون دولار في حال فرضت إسرائيل حصارا اقتصاديا عليها، لكن تجربة الفلسطينيين مع "الوعود العربية" بتقديم مساعدات لا تبعث عادة على التشجيع.

والسؤال الاقتصادي والسياسي: ماذا سيحدث للمساعدات الأميركية 400 مليون دولار سنويا في ظل ضغط إسرائيلي على الكونغرس لوقفها، لأنها باتت تتعارض مع التشريع الذي يشترط تحويلها بالامتناع عن التوجه لمحكمة الجنايات الدولية، لكن واشنطن كما تل أبيب أمام معضلة ولا تريد أن تتسبب في انهيار السلطة الفلسطينية على الأرض.

ومن هنا فإن مثلث العلاقات غير متساوي الأضلاع، الأميركي الإسرائيلي الفلسطيني، قد يلتقي عند نقطة تجنب عودة الواقع إلى المربع الأول والوحيد للصراع، وحاليا فإن الرئيس الفلسطيني يبدو راضيا عن الازدياد في شعبيته داخليا ودوليا، كما يثبت إصرارا ولا يخضع للضغوط ويتنقل بين قطرات المطر محاولا ألا يبتل، وألا ينهي السلطة ويترك الضفة لحماس، والولايات المتحدة التي لا تطيق نتنياهو- لكنها تبقى وفية للعلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل التي تتجاوز الأشخاص - لم تحرج في مجلس الأمن باستخدام فيتو ضد ما يفترض أنها تتغنى به قيام دولة فلسطينية - وتحاول إدارة الأزمة، وحتى نتنياهو قد يكون راضيا على الرغم من الانزعاج والقلق من محكمة الجنايات تحديدا، أولا لأن الموقف الأميركي يتماهى بذلك الإسرائيلي، وثانيا وقد يكون الأهم لأن هذه التطورات تشكل مادة دسمة في المعركة الحقيقية التي يخوضها الانتخابية، وقد تؤدي إلى استنفار واصطفاف اليمين - النزعة اليمينية لاتزال الأقوى في إسرائيل - في مواجهة إمكان أن يكون الإسرائيليون قد سئموه ويتوقون لبديل عنه في سدة الحكم.