.
.
.
.

حلم الكوبيين يتحقق وسفارة أميركية الجمعة بهافانا

نشر في: آخر تحديث:

سيستيقظ الكوبيون الجمعة من حلم راودهم 54 سنة في النوم، على الحلم نفسه، ولكنه حقيقي هذه المرة، باليقظة وفي وضح النهار، ففيه سيرون الولايات المتحدة تعيد أمامهم فتح سفارتها في هافانا بعد غياب طويل عن دولتهم الشهيرة باسم "لؤلؤة جزر الأنتيل" والمجاورة في بحر الكاريبي 144 كيلومترا فقط عن سواحل ولاية فلوريدا في جارتها الكبرى أميركا.

وكانت كوبا قامت بخطوة تاريخية مماثلة في 19 يوليو الماضي، حين أعاد وزير خارجيتها برونو رودريغز، افتتاح سفارتها في واشنطن بحضور نظيره الأميركي جون كيري، وهو ما كتبت عنه "العربية.نت" تقريرا بعد يوم عنوانه "كوبا تعود إلى الحضن الأميركي وتفتح سفارتها بواشنطن"، ويمكن مراجعته في أرشيفها لمن يرغب بالاطلاع على المزيد.

بدوره سيرد كيري الزيارة ليعيد الجمعة افتتاح السفارة المغلقة بهافانا منذ غطت العلاقات بين البلدين بدءا من أول1961 في غيبوبة بعد فرض الولايات المتحدة لحظر تجاري ذلك العام على الجارة المشاكسة، شمل الصغيرة والكبيرة، من سكر وسيجار وسيارات وطائرات، وجلب لجزيرة فيدل كاسترو متاعب من الأسوأ وقاسية جدا عليها، إلى درجة أصبحت العودة إلى العلاقات الطبيعية حلم الكوبيين السري والأكبر.

وتأتي رحلة جون كيري إلى هافانا لإعادة افتتاح السفارة فيها الجمعة، كأول زيارة يقوم بها وزير خارجية أميركي منذ 1945 للجزيرة التي زارها العام الماضي 550 ألف سائح أميركي، وسيلقي كلمة بحسب ما ذكرت وسائل إعلام أميركية عن زيارته التي قد يتضمن برنامجها نزهة مشيا على الأقدام في هافانا. كما سيشاركه بافتتاحها الشاعر الأميركي من أصل إسباني، ريتشارد بلانكو، بقصيدة ربما بالإسبانية، وهو شهير في الولايات المتحدة، ورأيناه وسمعناه يلقي قصيدة بالإنجليزية يوم تسلم أوباما لولايته الثانية.

وأصبحت كوبا حبة حصى مؤلمة في الحذاء الأميركي

والعلاقات كانت طبيعية دائما عبر التاريخ بين الجارتين، وتعززت أكثر بإرسال أول سفير في 1902 إلى هافانا، زمن الرئيس الراحل ثيودور روزفلت.. كان اسمه هربرت غولدسميث سكوايرز، وخدم حتى 1905 وتوفي في 1911 بعمر قصير، ثم تبعه فيما بعد 19 سفيرا، آخرهم من 16 فبراير 1959 إلى 28 أكتوبر 1960، حيث حل مكانه قائم بالأعمال لشهرين، انتهيا في يناير 1961 بقطع العلاقات مع كوبا وحصار تجاري شديد عليها.

كان الحظر/الحصار ضروريا للأميركيين كسلاح "لوجستي" ضد نظام أقامه فيدل كاسترو منذ أول يوم وصل فيه إلى السلطة بأول يناير 1959 وبدأ مع مطلع أول شمس يناصب الجارة الكبرى العداء لصالح الاتحاد السوفيتي، غريمها اللدود بالحرب الباردة، فحوّل كوبا إلى مشاكسة ومؤلمة كحبة حصى في الحذاء الأميركي، وجعلها فتيلا كاد يشعل حربا نووية زمن "أزمة الصواريخ" الشهيرة، وبعدها أبقاها حصان طروادة سوفيتيا مشحونا بالعداء للأميركيين وقريبا صاروخيا من مدنهم دقائق معدودات.

أول سفير أميركي عاش 52 والأخير 92 سنة

ثم دار الزمان وتفكك الاتحاد السوفيتي وتغير العالم، وانتهى كل شيء بنوايا تقارب بدأها الرئيس الكوبي راؤول كاسترو، ولخصها نظيره الأميركي باراك أوباما بكلمة ألقاها في أول يوليو الماضي، وكانت أكبر هدية للكوبيين، وفيها قال: "منذ أكثر من 54 سنة خلت، وفي ذروة الحرب الباردة، أغلقت الولايات المتحدة سفارتها في هافانا، وأعلن اليوم رسمياً عن إعادة إنشاء علاقات دبلوماسية مع جمهورية كوبا، وإعادة افتتاح سفارتينا في بلدينا"، مزيلا بما قال هما كبيرا عن بلاد سكانها الآن 12 مليونا، مع مليونين تقريبا مهاجرين ومنفيين ذاتيا في أميركا.

وبتلك العبارات محا أوباما أيضا عقودا من عداء بدأ بفرار الديكتاتور الكوبي فولغنثيو باتيستا، المدعوم أميركيا بخمسينيات القرن الماضي، في اليوم الذي زحف فيه فيدل كاسترو وزملاؤه الثوريون الماركسيون بأول يناير 1959 على هافانا، وأقاموا نظاما شيوعيا احتدمت معه السلبيات سريعا مع الجارة الكبرى، وانتهت بعد عامين بإغلاق السفارتين، وتحويل مقر كل منهما إلى "دائرة مصالح" تابعة بدءا من 1977 لسفارتي سويسرا بهافانا وواشنطن، طبقا لما قرأت "العربية.نت" عن مراحل ذلك العداء في أرشيفات يسهل العثور عليها "أونلاين" بمعظم اللغات، وهي متنوعة المعلومات وتلبي كل فضول.

وبعكس أول سفير أميركي في هافانا، لجهة قصر عمره الذي بلغ 52 سنة فقط، كان آخر سفير أميركي فيها، وهو فيليب ولسون بونسال، المولود في 1903 بنيويورك، والراحل في 1995 بعمر 92 سنة، انتهت بالتهاب رئوي داهمه ولم يترك له مجالا للعلاج، طبقا لما قرأت "العربية.نت" في سيرته المتضمنة أنه كان سفيرا في 1955 لدى كولومبيا، وبعدها حتى 1959 لدى بوليفيا، ثم حتى 1960 في هافانا التي عينوه بعدها سفيرا حتى 1962 لدى المغرب.

دول أوروبية ساهمت ببناء السفارة بالمال والمواد

أما مبنى السفارة في هافانا، فالأول تم افتتاحه في 1923 ولم يعد موجودا، وحل مكانه مبنى آخر شيدوه في 1953 قريبا 20 مترا فقط من شاطئ البحر فيها، وهو ما زال نفسه من دون أي تغيير فيه، كالعاصمة الكوبية تماما، على حد ما يروون عنه في وسائل إعلام أميركية وأجنبية أطلعت عليها "العربية.نت" وأحدها تركي مختص بلغات عدة في البناء والتصميمات الهندسية، ويذكر أمرا غريبا.

في موقع iç mimarlık dergisi بطبعته الإنجليزية، نقرأ عن مبنى السفارة معلومات كثيرة، الغريب منها أن دولا أوروبية "ساهمت ببناء المقر، بالمال وبالمواد، كسداد دين عليها للولايات المتحدة التي ساعدتها في الحرب العالمية الثانية" فحجر الجيري الخاص بالواجهة الأمامية للمبنى مثلا "جاء من الحكومة الإيطالية، فيما جاءت بقية المواد من فرنسا وبلجيكا وبريطانيا"، كما قال.

يذكر الموقع أيضا في حاشيات صور نقلتها منه "العربية.نت" عن المبنى، أن الحكومة الكوبية افتتحت بالستينات ساحة بقربه سمتها anti-imperialist plaza عمدا بالإنجليزية، وهي شهيرة ويقيمون فيها مهرجانات سنوية، وفيها تمثال لشاعر كوبا الأكبر، خوسيه مارتي، الراحل في1895 وصاحب قصيدة "غوانتاناميرا" التي تحولت إلى أغنية شهيرة عن فتاة من إقليم "غوانتنامو" الذي استأجرته الولايات المتحدة في 1934 بمبلغ 4085 دولارا بالسنة.

لكن كوبا الكاستروية ترفض قبض الشيك منذ 1960 كل عام، فترد الإدارة الأميركية بالبديهي: تودعه في حساب فتحته تلك لسنة باسم الجمهورية الكوبية في أحد المصارف، وبحسبة سريعة نعلم أن الرصيد هو الآن ربع مليون دولار إيجارات، وفوقها فوائد سنوية، مما مجموعه قد لا يشتري شقة متوسطة الحال في نيويورك.