.
.
.
.

أميركا.. غرابة المشهد الانتخابي الجمهوري

نشر في: آخر تحديث:

تميزت المناظرة الرابعة بين المرشحين الجمهوريين للرئاسة الأميركية بابتعادها عن الهجمات الشخصية وتركيزها على القضايا الاقتصادية والخارجية، لكنها لم تغير كثيراً في المشهد الانتخابي، وإن عززت الانقسام الموجود بين المرشحين "الخارجيين" أي من خارج الطبقة السياسية: دونالد ترامب وبين كارسون المتقدمين في استطلاعات الرأي، والمرشحين من مجلس الشيوخ وتحديداً السناتور ماركو روبيو والسناتور تيد كروز اللذين يحتلان المرتبة الثانية في استطلاعات الرأي، بينما يحتل المرتبة الثالثة المرشحون الآخرون وأبرزهم حاكم ولاية فولريدا السابق جيب بوش، الذي كان أداؤه مساء الثلاثاء أفضل من أدائه في المناظرات السابقة، والذي يمكن أن يقال عنه إنه أوقف النزيف في حملته، لكن لا يزال من المبكر القول إنه سيعيد العافية إلى حملته ويضعها في المقدمة.

اللافت هو أن الحاضر الغائب في المناظرة كانت هيلاري كلينتون، التي يفترض المرشحون الجمهوريون أنها ستكون منافستهم في انتخابات نوفمبر 2016.

ومرة أخرى برز الخلاف بين المرشحين حول الهجرة غير الشرعية بطريقة حامية، حين كرر المرشح ترامب القول إنه في حال انتخابه سيقوم بترحيل ما يقدر بحوالي 11 مليون مهاجر لا يملكون أي وثائق شرعية، مشدداً على أن البلاد يجب أن تحترم قوانينها وتحمي حدودها، ومذكراً بأن الرئيس الأسبق دوايت ايزنهاور رحّل مليوناً ونصف المليون مهاجر إلى المكسيك. (الواقع هو أن عدد المرحلين آنذاك كان أقل من نصف مليون، وتم بطريقة مجحفة وقاسية أدت إلى وفاة العشرات منهم).

وأدى ذلك إلى رد سريع من حاكم ولاية أوهايو جون كاسيك الذي وصف طروحات ترامب "بالسخافة" لأنها غير قابلة للتطبيق، وسارع جيب بوش بالقول إن هذا الأسلوب غير إنساني وغير عملي ولا يعكس القيم الأميركية، مشدداً على أن هذه الطروحات سوف تخدم الحزب الديمقراطي وأن المسؤولين في حملة هيلاري كلينتون يحتفلون الآن لسماعهم مثل هذه الطروحات.

وتشكل هذه القضية معضلة كبيرة للحزب الجمهوري، حيث هناك شريحة هامة من الناخبين المحافظين التي تدعو إلى مواقف متشددة تجاه المهاجرين غير الشرعيين.

وتعتبر الجاليات المتحدرة من أصول أميركية-لاتينية من أكثر الجاليات نمواً في الولايات المتحدة، ولن يستطيع المرشح الجمهوري الوصول إلى البيت الأبيض إذا لم يحصل على نسبة متقدمة من أصوات هذه الشريحة الديموغرافية الهامة.

ويعتبر إخفاق مرشح الحزب الجمهوري في 2012 ميت رومني في جذب نسبة هامة من هذه الجاليات، من أبرز أسباب خسارته للسباق ضد باراك أوباما.

وشهدت المناظرة سجالاً حاداً بين السيناتور بول والسيناتور روبيو عكس الخلاف القديم في أوساط المحافظين حول حجم الإنفاق الحكومي خاصة العسكري.

ورأى السناتور راند بول وهو من دعاة تخفيض دور الحكومة في حياة الفرد وتخفيض الضرائب وعدم التدخل في النزاعات الخارجية، إلا إذا مست مباشرة أمن أميركا، أنه لا يمكن الاستمرار في زيادة الميزانية العسكرية لأن ذلك يتعارض مع تخفيض الدين القومي.

وقال بول لروبيو: "كيف يمكنك أن تصف نفسك بالمحافظ ثم تزيد ميزانية الدفاع بترليون دولار وتستدين من أجل ذلك؟". ورد روبيو بالقول إنه في عالم يتميز بالأخطار يجب أن تكون الولايات المتحدة الدولة الأقوى عسكرياً في العالم، وذلك بعد اتهام بول بأنه "انعزالي".

وكعادتهم بالغ المرشحون بمزاياهم وغالوا في طروحاتهم غير مبالين أحياناً بالحقائق والأرقام. وحين سُئل المرشح بين كارسون عن رأيه حول قرار الرئيس أوباما بنشر 50 عنصراً من القوات الخاصة في سوريا، قال إنه يوافق على ذلك، لكن جوابه تميز بالارتباك قبل أن يفاجئ الجميع بالادعاء بأن الوضع في سوريا "معقد، وكما تعلمون فإن الصين موجودة هناك وكذلك روسيا..."، وطبعا لا يوجد للصين أي قوات عسكرية في سوريا أو في أي مكان آخر في المنطقة.

من جهته، ارتكب المرشح راند بول خطأ مماثلاً، حين تطرق المرشحون إلى مسألة إقامة منطقة حظر جوي في سوريا. راند الذي يرفض هذا الاقتراح قال مرتين إنه يرفض إقامة مثل هذه المنطقة "في العراق"، لأن ذلك قد يؤدي إلى اشتباك مع الطيران الروسي.

المرشحون الذين أرادوا أن يظهروا أنهم متفوقون أو أنهم واثقون من الحصول على ترشيح الحزب، هاجموا بحدة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، وكالوا لها بعض التهم التي لا أساس لها من الصحة، مثل القول إنها ستزيد الضرائب بنسب خيالية، أو القول إنها لا تؤيد رجال الشرطة ولا تبالي إذا عمت الفوضى البلاد.

ولا يزال الموسم الانتخابي هذه السنة غريباً وغير تقليدي ويختلف عن المواسم السابقة خاصة لجهة سيطرة مرشحين من خارج الطبقة السياسية التقليدية ( ترامب وكارسون)، لم يتم انتخابهما لأي منصب في السابق، قبل أقل من 3 أشهر على بدء عملية الانتخاب.

الأمر الوحيد الذي يمكن التنبؤ به ببعض الثقة هو أن المشهد الانتخابي الجمهوري سوف يبقى معقداً ومربكاً ويتسم بالغرابة حتى نهاية السنة.